طلقة غولدا الأخيرة
و إذا كان هناك اختلاف في الاجتهادات في النظر لعملية اغتيال أبو إياد و رفيقيه أبو الهول و أبو محمد ، فإن المؤكد الذي لا خلاف عليه لدى الجميع ، هو الإدراك لمدى الفراغ الذي تركه رحيلهم المفاجئ على أجهزة الأمن الفلسطينية .و مع غياب أبو إياد و رفيقيه ، استلم مسؤولية الأمن الفلسطيني كوادر من تلامذة أبو إياد من بينهم عاطف بسيسو الذي يعتقد بأنه واحدٌ من ثلاثة حلّوا محل أبو إياد في قيادة الجهاز الأمني التابع لمنظمة فتح . الملف كبير جد يحتوي على معلومات وتفاصيل التجربة الامنية الفلسطينية تابع القراءة
و تولى بسيسو ، مسؤولية العلاقات مع أجهزة الاستخبارات الأوربية و من بينها الفرنسية و متابعة شبكات من المتعاونين في العواصم المختلفة و أيضاً أنيطت به مسؤولية تأمين أمن مسئولي منظمة التحرير .
و في يوم 8/6/1992 ، كان عاطف بسيسو الذي وصل فجأة للعاصمة الفرنسية باريس للالتقاء مع مسؤولين من المخابرات الفرنسية ، عائداً مع صديقين لبنانيين إلى فندق المريديان مونفرانس في شارع كومندينت موشوط ، في العاصمة باريس ، عندما اقترب منه رجلان و أطلقا النار عليه من مسدسات مزوّدة بكواتم للصوت و جمعا فوارغ الرصاصات و غابا عن الأنظار .
و يعتبر هذا الفندق فألاً سيئاً على الشخصيات العربية المهدّدة بالاغتيال ، ففي 13/6/1980 ، تم اغتيال الدكتور يحيى المشد في إحدى غرف الفندق ، و المشد كما هو معروف كان مسؤولاً في المشروع الذري العراقي و كان في فرنسا في تلك الفترة لأسباب تتعلق بنشاطه ذاك ، و لكن بسيسو ، لم يأخذ ذلك على ما يبدو على محمل الجد ، رغم معلومات استخبارية كانت تتناثر في العاصمة الفرنسية عن تحول فندق المريديان ذاك إلى ساحة للنشاط الاستخباري .
و كان الصحافي المصري عادل حمودة في كتابه عن اغتيال الدكتور المشد قدّم صورة (مريبة) لهذا الفندق ، الذي قال عنه ، إن الشرقيين يفضّلونه (و قد نقلوا إلى إدارته الكثير من العيوب ، مثل البقشيش الذي يصل حدّ الرشوة ، و الخطأ المتعمّد في فواتير الحساب و الإهمال الذي لا يختلف كثيراً عن المؤامرة) .
و عن نزلائه كتب عادل حمودة أنهم (خليط من الأثرياء و الدبلوماسيين و التجار و الصحافيين و رجال الأعمال و نجوم السينما ، و كل شيء فيه مباح .. متاح .. حتى اللغة العربية ، فعندما تبرز النقود ، يتنازل الفرنسيون عن غطرستهم الشهيرة ، و يتحدثون لغة الشيطان) .
و أضاف و هو يجمع معلومات عن مسرح الجريمة التي قتل فيه المشد ، و فيما بعد عاطف بسيسو (و يعمل بعض العرب في أماكن الفندق الحساسة ، الحجز ، خدمة الغرف ، البار ، و الملهى الليلي الذي لا يخلو برنامجه من الرقص و الغناء الشرقي ، و الاستعراض و الاستربتيز الغربي) .
و أيضاً تتساهل إدارة الفندق مع العاهرات (و تسمح لهن بالوجود في الممرات و الكافتيريا و البار و الغرف دون خوفٍ إذا كن يعملن تحت إشرافها ، كما أن عاملة التليفون لا تتردد في خدمة النزلاء بإحضار عاهرات بالتلفون من شركات الرقيق الأبيض و الأسود ، المتخصصة في التوصيل من الباب إلى الباب ، و لمزيد من السرية فإن الغرف مبطنة بعازل و كاتم للصوت ، أي أنها غرف مناسبة للخطيئة و الجريمة معاً) .
و لأن بسيسو ، كما تبيّن فيما بعد حضر على وجه السرعة إلى باريس و لم يكن ضمن خطته المعلنة في رحلته أن يزورها ، فإنه لم يحجز في الفندق الذي اعتاد أن ينزل فيه مسئولو منظمة التحرير و هو فندق الميرديان بورت ، أو ربما حجز في الفندق (المشبوه) الذي قتِل على أعتابه إمعاناً في التمويه .
و يمكن القول إن اغتيال بسيسو شكّل ، على الأقل مفاجأة ، إن لم نقل صدمة لرفاقه ، فالرئيس عرفات و القيادة الفلسطينية كانت تخوض مفاوضات مع (إسرائيل) ضمن الترتيبات التي أفرزتها حرب الخليج الثانية و مؤتمر مدريد ، و فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الفلسطينيين و (إسرائيل) .
و تردّدت أنباء صحافية أن تنظيم صبري البنا (أبو نضال) المنشق عن حركة فتح ، أعلن مسئوليته عن مقتل عاطف بسيسو ، و هذا أعاد للأذهان قضية اغتيال أبو إياد و رفيقيه على يد الحارس الذي قيل إنه ينتمي لتنظيم أبو نضال ، و ها هو أبو نضال يعود من جديد و يقتل أحد مساعدي أبو إياد ، و لكن تنظيم أبو نضال عاد و نفى مسئوليته عن الحادث ، بينما الرئيس عرفات الذي كان منهمكاً في العلاقة الجديدة مع (إسرائيل) ، اعتبر مقتل بسيسو ضربة لعملية السلام و اتهم (إسرائيل) صراحة بالوقوف وراء حادث الاغتيال .
و أمام أصابع الاتهام التي وجهت لـ (إسرائيل) ، نفى اللواء أوري ساغي رئيس شعبة الاستخبارات الصهيونية ، أية علاقة لـ (إسرائيل) في الحادث و أنه لا يعرف من قام بعملية الاغتيال ، و لم يصدّقه أحد .. !
و أضاف ساغي للصحافيين ، أن بسيسو مسؤولٌ عن قتل الرياضيين (الإسرائيليين) في ميونخ و عن المحاولات الفاشلة لضرب طائرة العال في روما عام 1978 .
و بقيت أصابع الاتهام متجهة نحو (إسرائيل) ، لعدة أسباب منها ضلوع عاطف بسيسو ، بحكم عمله مع أبو إياد ، في عملية ميونخ ، و هي التي نفّذت سلسة العمليات الكثيرة بحجة ميونخ ، و أضيف إلى ذلك سبب جديد ، هو بمثابة رسالة إلى المخابرات الفرنسية (دي.أس.تيه) بأن الموساد غير راضٍ عن علاقتها مع المخابرات الفلسطينية .
و مثلما يحدث في مرات كثيرة ، غابت قضية عاطف بسيسو ، عن اهتمامات الرأي العام الفلسطيني ، و لكن هناك من كان حادث الاغتيال يعنيه بصورة مباشرة مثل زوجته ديما ، و محاميها فرانسوا جيبو ، و القاضي جان لوي بروغيير ، الذي كلّف بالتحقيق في ملف اغتيال عاطف بسيسو في قلب العاصمة الفرنسية ، و معرفة الجهة التي تقف وراء حادث الاغتيال .
و بعد مرور سبع سنوات ، و في شهر آذار 1999م قدّم القاضي الفرنسي تقريره عن الحادث اتهم فيه (الموساد) “الإسرائيلي” بالوقوف وراء قتل بسيسو ، و أنه استعان بذلك بالجاسوس عدنان ياسين لتنفيذ عملية اغتيال بسيسو الذي كان على علاقة مع الاستخبارات الفرنسية .
و عدنان ياسين ربما يكون أشهر جاسوس يتم اكتشافه كان يعمل في منظمة التحرير عقب انتقالها من بيروت إلى تونس ، و كان مسؤولاً عن ترتيبات السفر في المنظمة و بحكم علاقاته كان يدخل إلى مكاتب كبار المسؤولين بسهولة و يسر ، و بفضل تعاونه مع (إسرائيل) كانت المخابرات (الإسرائيلية) تتطلع على كثير مما يدور في المكاتب الفلسطينية ، و خلال جولات المفاوضات الفلسطينية – (الإسرائيلية) التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو ، كان المفاوضون الفلسطينيون يصابون بالذهول عندما يدركون بأن الطرف الآخر لديه معلومات كافية عما سيطرحونه و ما سيناورن عليه و خطط التفاوض التي عادة ما كانت توضع في مكتب محمود عباس (أبو مازن) .
و مع نشر تقرير القاضي الفرنسي ، ارتفعت أصوات في (إسرائيل) تحذّر من نشوب أزمة دبلوماسية بين (إسرائيل) و فرنسا على خلفية هذا الاتهام ، و في حين رفض أفيف بوشينسكي المستشار الإعلامي لرئيس الحكومة الصهيوني التعليق على التقرير الفرنسي ، فإن مصادر في ديوان رئيس الحكومة الصهيوني نقلت إلى صحيفة هآرتس العبرية (21/3/1999) مخاوفها الكبيرة من أن يؤدّي تطوّر القضية إلى أزمة في العلاقات الاستخبارية و الدبلوماسية بين (إسرائيل) و فرنسا .
و أشارت هذه المصادر التي لم تسمّها صحيفة هآرتس العبرية إلى أن قضية بسيسو قد تتحوّل إلى شبه ما حدث في قضية اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي الذي اغتيل في حزيران 1997 ، و في حينها وجّهت أجهزة الأمن البريطانية اتهامات لـ (إسرائيل) بدعوى أن (الخلية التي انتمى لها القتلة كانت مخترقة من قبل عملاء الموساد) ، و بأنه كان يجب على الموساد إبلاغ المخابرات البريطانية بذلك ، و أعلنت بريطانيا عن أسماء عددٍ من رجال الموساد كأشخاص غير مرغوب فيهم في بريطانيا ، و حسب هآرتس فإن حادث اغتيال العلي تسبّب في ضرر فادح للعلاقات الاستخبارية بين بريطانيا و (إسرائيل) .
إذن كان الموساد في قضية بسيسو في وضع مشابه لما حدث معه في قضية ناجي العلي مع الفارق أن الغضب الفرنسي كان أكبر ، لأن بسيسو ، وفقاً لكل الاعتبارات كان ضيفاً على الـ (دي.أس.تيه) .
و كانت الأوساط الفلسطينية و العربية المعنية غائبة .. ! عن ما يحدث و لم (تستغل) الاتهام الفرنسي العلني لـ (إسرائيل) بمقتل رجل الأمن الفلسطيني لتثير قضية الإرهاب (الإسرائيلي) المستمر و الذي لا يتوقّف في ظلّ الحرب أو في ظلّ السلام ، حتى لو كان سلاماً وفق المعايير (الإسرائيلية) .
و لا بد هنا من الإشادة بجهد القاضي بروغير الفرنسي ، و مهنيته ، فهذا الرجل أخذ المسألة ، كما اتضح بشكلٍ جدي ، و ليس كما كانت تفعل الأجهزة المشابهة في الدول الغربية الأخرى عندما يتعلق الأمر بالإرهاب (الإسرائيلي) على أراضيها .
علم بورغيير بأن ثلاثة أشخاص فقط علموا بنية عاطف بسيسو التوجه إلى فرنسا خلال جولته الأوروبية ، و هؤلاء هم : زوجته ديما ، و أحد المسؤولين في المنظمة و عدنان ياسين ، و بعد التحقيق ، اشتبه القاضي الفرنسي بعدنان ياسين أنه وفّر المعلومات عن تحرّكات بسيسو للموساد (الإسرائيلي) .
و توجّه القاضي إلى منظمة التحرير الفلسطينية ، في مطلع عام 1993 ، مطالباً بتفاصيل المكالمات التي كان يجريها عدنان ياسين ، من مقر المنظمة في تونس في اليوم الذي سبق حادث الاغتيال ، و حسب مزاعم صحيفة هآرتس العبرية فإن المنظمة لم تستجب ، و لكن هذا القاضي المقدام الذي لا يكلّ و لا يملّ كما يقال ، وجد طريقة للوصول إلى هدفه ، و يعتقد أن المخابرات الفرنسية ساعدته بوضع يده على المكالمات التي كان يتركها عدنان ياسين في (آنسر مشين) الهواتف التي يتحدّث إليها في فرنسا و إيطاليا ، و بعد تحليل هذه الرسائل تأكّد الفرنسيون من علاقة عدنان ياسين بالموساد .
و هنا لا بدّ من التساؤل لماذا لم تتعاون منظمة التحرير مع القاضي الفرنسي ؟ و لماذا تم (السكوت) على عدنان ياسين نحو عشرة أشهر ، حيث تم اعتقاله في 25/10/1993 ، مع أنه كان من الواضح و من الطلب الفرنسي الرسمي بالاطلاع على مكالمات ياسين بأن هناك على الأقل شيئاً ما ضد الرجل من مخابرات قوية و (صديقة) هي المخابرات الفرنسية و في قضية تتعلق في النهاية بأحد قادة الأمن الفلسطيني : عاطف بسيسو .
و تكرّر موقف منظمة التحرير (السلبي) فيما بعد عندما طلب القاضي الفرنسي الاستماع إلى إفادة عدنان ياسين الذي أعلن أنه معتقل في أحد السجون التونسية ، و جاء الرد الفلسطيني ، بأن ياسين اختفى في العام 1996 ، بعد انتقال منظمة التحرير من تونس إلى غزة .
و قد لا يكون الرد الفلسطيني هذا صحيحاً ، لأن الأنباء الصحافية تحدّثت عن أن عدنان ياسين أعدِم بعد اكتشافه على ظهر سفينة في المياه الدولية ، و أنباء أخرى تحدّثت عن وجوده معتقلاً في اليمن أو في تونس .
المهم أن ما بدا في ربيع عام 1999 بداية لأزمة بين فرنسا و (إسرائيل) ، بعد انتهاء التحقيق في القضية و اتهام (إسرائيل) بالمسؤولية عن الاغتيال بمساعدة جاسوسها عدنان ياسين الذي أبلغ الموساد بتفاصيل وجود عاطف بسيسو في باريس ، أخذ في التراجع ، و ربما كانت الأسباب كثيرة و متنوعة و لكن لا يمكن هنا إبراء الجهات المسؤولة و المعنية العربية و الفلسطينية ، من مهمة المتابعة و الاستمرار و الضغط على الجانبين الفرنسي الذي كان متحمّساً لإدانة (إسرائيل) و (الإسرائيلي) الذي كان يدخل مع الفلسطينيين ، و العرب في حلقات مفرغة مسجلاً أهدافاً في ملعبهم و هم فرحون .. !
و لا بد من التوقف هنا عند ما أثير من قضية الجاسوس عدنان ياسين ، و التي أخذت مجالاً واسعاً في التداول ، فوفقاً لمعظم المصادر فإن ياسين الذي كان يتولى مسؤوليات استصدار أذونات السفر لكوادر المنظمة في تونس ، كان يعالج زوجته المريضة في فرنسا ، على حساب المنظمة ، و أنه كان يسافر كثيراً هناك لهذه الغاية ، و رغم أن مصادر فلسطينية قالت إنه لم يعانِ من مشاكل مادية لعلاج زوجته ، فإن مصادر أخرى أفادت أن المخابرات الصهيونية استطاعت النفاذ إليه من هذا الباب .
و قيل إن أول لقاء تم بين ياسين و ممثل عن الموساد كان في شهر آذار 1989 ، في باحة نفس الفندق الذي قتِل على أعتابه بعد ذلك التاريخ بأكثر من ثلاث سنوات عاطف بسيسو ، و هو الفندق (المشبوه) بعاهراته و إدارته و العاملين به و الكثير من رواده .. !
و قيل إن عدنان ياسين تجنّد على يد ضابط الموساد المدعو (حلمي) الذي (التقط) عدنان ياسين في ذلك الفندق ، و عرض عليه الدخول في مشاريع تجارية مشتركة ، و فيما بعد تولى الضابط (جورج) العلاقة مع ياسين .
و كان وقوع ياسين في الفخ ، نصراً مهماً للموساد ، لأن ياسين بحكم علاقاته و تدخّلاته جعل قيادة المنظمة مكشوفة للجانب الآخر . و مما تم الكشف عنه ، مثلاً ، أن عدنان ياسين الذي زوّده الموساد بأجهزة تجسّس حديثة جداً ، حصل من الموساد على مصباح فاخر للقراءة ، و على كرسي طبي متطوّر و جهاز فاكس صغير الحجم ، و تم وضع أجهزة تنصت في هذه الأجهزة ، و تشتغل هذه الأجهزة بمجرد الجلوس على الكرسي ، بفضل جهاز حساس للحرارة وضع في الكرسي ، و تستطيع هذه الأجهزة العمل ثماني ساعات دون تغيير البطارية .
و شحن ياسين هذه الحاجيات في سيارة رينو من فرنسا إلى تونس ، و لأنه أيضاً من مسؤولياته ، ترتيب إدخال الأثاث للكوادر الفلسطينية ، فبدا عادياً أن يقوم بتقديم هذا (الأثاث) إلى محمود عباس (أبو مازن) ، و استقرت أدوات التجسس هذه في مكتب أبو مازن ، و فيما بعد عرف السر ، الذي كان يحيّر رجال أبو مازن ، الذين كانوا يتفاوضون هناك بعيداً في أوسلو ، مع (الإسرائيليين) ، و بدوا أمامهم مكشوفي الظهر تماماً ، فقد كان (الإسرائيليون) يعرفون تماماً ما سيعرَض عليهم و حدود التكتيك الفلسطيني و المدى الذي يمكن أن يتنازل عنه الفلسطينيون .
و فيما بعد تحدّثت أوساط صهيونية أن القيادة (الإسرائيلية) شعرت أن ذلك (العري) الفلسطيني في المفاوضات السرية في أوسلو ، بدأ يعكر أجواء المفاوضات التاريخية بين الفلسطينيين و (الإسرائيليين) ، و أن الوفد الفلسطيني يشعر بمهانة كبيرة وهو يواجه الوفد (الإسرائيلي) المدعّم بالخبرات و المعلومات ، عارياً ، و لم يكن يعرف أحد أن سبب كل ذلك ، الكرسي الفاخر و الأدوات الملحقة الجميلة التي أعجبت قائد المفاوضات أبو مازن ، فسمح لعدنان ياسين بوضعها في مكتبه .
و بعد التحقيق مع ياسين الذي لم يكشف عنه الكثير ، فإن المعلومات المؤكدة كانت تتعلق بأن الموساد زوّده بأجهزة تنصت متطوّرة جداً ، و بعضها مثل الذي زرع في مكتب أبو مازن يمكن أن يعمل لخمس سنوات دون تغييره .
و بالطبع لم يقتصر دور ياسين على ذلك ، فأشارت التقارير التي نشرت بعد اعتقاله إلى تعاون ابنه هاني الذي يملك كراجاً للسيارات في العاصمة التونسية ، و كان يتم وضع أجهزة تنصت في السيارات التابعة للمنظمة و لرجالها التي تذهب للتصليح في كراج هاني .
و يبدو أن المخابرات الفرنسية أرادت أن تقدّم خدمة لمنظمة التحرير ضمن التعاون الاستخباري أو حتى .. ربما (تكفيراً) عن الإخفاق في حماية (ضيفها) عاطف بسيسو و الذي وصله رجال الموساد و قتلوه على أرضها ، أو أرادت أن تردّ صفعة الاغتيال إلى وجه الموساد ، و دبت الحرارة في الخطوط الساخنة الفرنسية و التونسية و الفلسطينية ، و قبل اعتقاله أخضع لرقابة مشدّدة و تم ضبط سيارة رينو 25 أرسلت إلى عدنان ياسين من ألمانيا ، فاعترضتها الجمارك التونسية ، و تم تفتيش السيارة و اكتشاف أجهزة تنصت دقيقة فيها ، و تم القبض على ياسين الذي وصف بأنه أخطر جاسوس لـ (إسرائيل) في منظمة التحرير ، و لكن ربما كان ياسين الذي قدّم معلومات وافرة لـ (إسرائيل) في منعطف تاريخي في العلاقات بين (إسرائيل) و المنظمة ، من الجواسيس المهمين الذين تم كشفهم ، و لكنه ربما لم يكن أخطرهم ، ففي عالمٍ مثل الجاسوسية لا يعترف بسهولة بأفعال التفضيل .
و لابد من الإشارة هنا إلى أن الأجواء التي كانت تشهدها العاصمة التونسية عشية القبض على ياسين و الكشف عن اعترافاته ، كانت تعج بالمفارقات ، ففي حين يتم إلقاء القبض على ما وصف بأنه (أبر) جاسوس لـ (إسرائيل) في منظمة التحرير ، كان الصحافيون الصهاينة المستعربون ، وثيقي الصلة بالاستخبارات (الإسرائيلية) ، يحجّون بشكلٍ شبه يومي إلى تونس و ينزلون في ضيافة منظمة التحرير ، و يستقبلهم كبار المسؤولين هناك ، و يدلون لهم بأحاديث صحافية عديدة و لمختلف وسائل الإعلام الصهيونية و من بينها التلفزيون العبري .
كانت الوفود الصهيونية تحجّ إلى تونس قبل ذلك و لكنها تكثّفت قبل و أثناء و بعد الإعلان عن اتفاق أوسلو ، و في حين أن (إسرائيل) بالكشف عن الجاسوس ياسين ، كانت تؤكّد بأنها ما زالت ترى في الفلسطينيين أعداء لا يؤتمنون مهما قدّموا من تنازلات ، كان القادة الفلسطينيون يستقبلون ممثلي أحد أذرع الدولة العبرية الهامة : الإعلاميون ، و كتبت في حينه تحقيقاً موسعاً ، عن تلك الظاهرة في الأراضي المحتلة و تونس ، و أسميتها (ظاهرة يوني) نسبة إلى يوني بن مناحيم مراسل التلفزيون العبري العليم ببواطن الأمور في الأراضي المحتلة ، و في تلك الفترة في تونس أيضاً ، و الذي كان مصدراً إخبارياً مهماً بما يجري في الساحة الفلسطينية في الداخل و في الخارج في تونس ، تصب عنده المعلومات الهامة و يتطوع المسؤولون الفلسطينيون للاتصال به و إمداده بالمعلومات ، و مثلما كان يصول و يجول في الأراضي المحتلة ، انتقل يوني بن مناحيم بكاميرته إلى تونس و أصبح يصول و يجول فيها أيضاً ، و يبث التقارير من هناك و أحياناً بشكلٍ مباشر ، و مرة بث تقريراً مباشراً من العاصمة التونسية عن وصول نايف حواتمة زعيم الجبهة الديمقراطية المعارض لأوسلو إلى تونس سراً و قال إن حواتمة قال له إذا كشفت عن زيارتي فسأنفي ذلك فوراً .. !
و قدّم و هو في تونس تقارير ، عرف فيها بالرموز التي ستلعب أدواراً في المرحلة المقبلة : مرحلة السلطة الفلسطينية مثل حسن عصفور و جبريل الرجوب و ياسر عبد ربه و غيرهم .
و خلال التحقيق الذي أجريته تبين أن كل الصحافيين الصحافيين المختصين بالشؤون العربية كانت لهم علاقات معلنة مع أجهزة الدولة العبرية و مع أجهزة الاحتلال في الضفة الغربية و قطاع غزة .
و يوني بن مناحيم الذي كان أبرزهم و أكثرهم ديناميكية ، هو أحد الذين شاركوا في عملية الليطاني في آذار 1978 في جنوب لبنان و يعمل محاضراً في مدرسة عسكرية صهيونية في مستوطنة مقامة على رأس مدينة بيت جالا ، و قابلت مناحيم على مدخل مقر الحاج إسماعيل جبر قائد القوات الفلسطينية في الضفة الغربية لدى دخوله أريحا ضمن اتفاق (غزة و أريحا أولاً) و عاتبني على التقرير الذي نشرته عن (ظاهرة يوني) مؤكّداً على تطوّع المسؤولين الفلسطينيين بالاتصال به و مدّه بالأخبار و المعلومات .
و أيضاً من رموز ظاهرة يوني (روني شكيد) الذي عمل في جهاز الشاباك الصهيوني و كان يحقّق مع المعتقلين الفلسطينيين في معتقل المسكوبية بالقدس ، و هذا المعتقل بالذات هو (مسلخ بشري) بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى كما خبِره كاتب هذه السطور أكثر من مرة .
و حتى الذي عرفوا بيساريتهم من الصحافيين الصهاينة الذين عمِلوا في الشؤون الفلسطينية و العربية فكانت لهم علاقات مع أذرع الاحتلال المختلفة ، فمثلاً يهودا ليطاني كان ناطقاً بلسان الجيش الصهيوني المحتل للضفة الغربية و قطاع غزة ، و يوسي تورفشتاين عمل مستشاراً لحاكم بيت لحم العسكري ، و بنحاس عنبري كان مسؤولاً عن دائرة الإحصاءات في الضفة الغربية التي تتبع الحكم العسكري .
و من جانب آخر كانت تصريحات المسؤولين الفلسطينيين الذي أصبحوا مفتوحي الأذرع للصحافيين الصهاينة ، يأخذونهم بالأحضان ، كما لو كانوا ينتظرون هذه الفرصة على أحرّ من الشوق ، غير موفقة فيما يطرحونه ، في معظم الحالات ، و مثلاً فإن حكم بلعاوي سفير منظمة التحرير في تونس و عضو اللجنة المركزية في فتح و المسؤول الأمني الكبير ، و الذي بحكم مسؤولياته الأمنية ، يتحمّل التقصير في عدم كشف عدنان ياسين ، توعّد على شاشة التلفزيون العبري بلجم المعارضين للاتفاقيات الموقّعة بين الجانبين الفلسطيني و (الإسرائيلي) ، و قال إنه جرى تعاون مع (إسرائيل) بهذا الشأن و خاطب يوني بن مناحيم قائلاً : “بإمكانك التأكد مما أقوله من المسؤولين عندكم” …! .
و كان هناك من رأى فيما يقوله بلعاوي استفزازاً ، خصوصاً و أن معلومات تناثرت حول علاقته الوثيقة مع عدنان ياسين و أن الأخير هو نائبه كسفير للمنظمة في تونس ، و هو ما نفاه بلعاوي قائلاً إن ياسين مجرّد موظف صغير لديه ، و لكن يبدو أن ذلك و ربما غيره ، أر على دوره ، فعندما عاد إلى فلسطين ضمن ترتيبات اتفاق أوسلو ، لم يعد له دور يناسب وضعه السابق (كرجل تونس القوي) الذي كانت تتقاطع لديه كل الخطوط ، و في فيلته الفخمة التي يقيم بها في تونس العاصمة ترسم سياسات المنظمة الكبيرة و الصغيرة .
و للأسف لم يكن بلعاوي وحده الذي يوجّه سهامه للمعارضة ، فإن (الطرف الآخر) و هي التسمية التي تم إطلاقها على (إسرائيل) من قبل المسؤولين الفلسطينيين بعد اتفاق أوسلو ، كان مستمراً في سياسته و مصالحه كما يراها ، أو الأصح أنه كان مصمّماً على الاستمرار فيها : الاغتيالات للمعارضة ، بعد أن أيقن أن الثوار القدامى اتخذوا ليس قراراً بالتقاعد فقط بل إنهه مستعدون لأبعد من ذلك : لجم معارضي السلام (الإسرائيلي) .. ! .
و كان أول ضحاياها ، في عصر “السلام الإسرائيلي” : الشهيد هاني عابد .
كانت منظمة التحرير تتغير بسرعة، وبقيت إسرائيل لا تتغير..!
و إذا كان اغتيال عاطف بسيسو (8/6/1992) آخر طلقة من بندقية ميونخ ، و التي أمرت بإطلاقها غولدا مئير التي كانت شبعت موتاً في قبرها ، فإن اغتيال هاني عابد (2/11/1994) ، شكّل استمراراً لسياسة (إسرائيل) التي لا تتغير ، و التي ازدادت دموية مع كل تنازل جديد كانت تقدّمه القيادة الفلسطينية .. !
و لكن لا أحد يريد أن يتّعظ ..!
لا بد من تسجيل الدخول لكتابة تعليق.
ملفات أمنية
رجل الظل..قصة اغتيال الشهيد عاطف بسيسو بقلم:عبدالله عيسى
تاريخ النشر : 2005-12-29
القراءة : 27701
رجل الظل..قصة اغتيال الشهيد عاطف بسيسو بقلم:عبدالله عيسى
كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي
من ملفات المخابرات الفلسطينية
قصة اغتيال الشهيد عاطف بسيسو
رجل الظل
إثبات الوجود…
بقلم:عبد الله عيسى
“في 8 حزيران 1992 انطلقت رصاصات غادرة في ليل باريس إلى راس عاطف بسيسو, من مسدس كاتم للصوت, غير أن الرصاصات التي لم يسمع أحد في الشارع أمام فندق”الميرديان” صوتها, دوت خلال ساعات في العالم كله لتتحدث وسائل الإعلام عن قيادي فلسطيني لم يسمع به كثيرون, حتى أن شعبنا في الأرض المحتلة استقبل الحدث بدهشة, و الضجة التي ثارت حول اغتياله بدهشة اكبر, فلم يكن وجها معروفا لدى وسائل الإعلام, اختار الظل طوال حياته و نضاله في الثورة الفلسطينية و حاولت إسرائيل طمس الحقيقة و إبعاد الشبهة عن نفسها, و لكن الحقيقة ظهرت و الخيوط أوصلت للجهة الحقيقية التي دبرت عملية اغتيال عاطف بسيسو الذي وصفه ” أبو عمار” بـ ” البطل القومي “, و يستطيع القارئ تقدير حجم الخسارة بسقوط عاطف بسيسو بعد أن يطلع من خلال الحلقات المسلسلة لـ ” رجل الظل ” على القدر الذي استطعنا تقديمه للقارئ و الذي سمح بنشره..و تبقى جوانب و إنجازات عظيمة في حياة عاطف بسيسو ستجد طريقها يوما للمعرفة العامة و النور,و الذي يعتبر أسطورة أمنية فلسطينية يعترف بها الأعداء و الأصدقاء,آمن بحق شعبه بالحياة حتى قدم حياته بزهد المؤمنين كي يرى شعبه دولة مستقلة لم يستطع أن يراها بنفسه , فكانت المرارة اكبر في نفوس أحبائه و زملاؤه في الرحلة الطويلة, رحلة الشجاعة و الإقدام في حرب الأشباح بلا هوادة انطلاقا من الأراضي الرملية المتحركة و الصخرية الصلبة و في كل الظروف نحو الهدف, و بعد أن اعد عاطف بسيسو تصورا للأمن الفلسطيني, و كلما تعثرت الرحلة على ارض الوطن شعر الرفاق بحاجتهم إلى وجود” أبو إياد “و عاطف بسيسو بينهم, لان فرحة إقامة الدولة بدونهم تبقى فرحة حزينة مكتومة بالدموع و الآلام”.
بعد عام 1967 بدأت حركة “فتح” تشعر بأهمية وجود جهاز أمن لحماية الثورة الفلسطينية, خاصة أن المخابرات الإسرائيلية نشطت في دفع العملاء و تجنيدهم لاختراق الثورة الفلسطينية,من خلال سيل المتطوعين الذين وفدوا على قواعد حركة ” فتح ” و التنظيمات الفلسطينية في الأردن, لكن هذا التوجه لم يكن سهلا في البداية بسبب حساسية الشعب الفلسطيني الذي كان يعاني من الاضطهاد , و خاصة على مستوى الثورة الفلسطينية بتقبل العمل الأمني ألمخابراتي, فلجأت حركة ” فتح ” إلى تسميات حاولت بها الابتعاد عن الحساسيات مثل” الرصد
“و ” الأمن و المعلومات ” و غير ذلك..
كما كان الهدف الاستطلاع خلف خطوط العدو و رصد تحركاته العسكرية و كان من ابرز المؤسسين زكريا عبد الرحيم-أبو يحيى و هاني الحسن, عضو اللجنة المركزية لحركة ” فتح “.
تم تأسيس جهاز” الانضباط العسكري” بعد معركة الكرامة و تولى مسئوليته زكريا عبد الرحيم و موسى عرفات ثم في عام 1969 تولى ذلك هاني الحسن.
في تلك الفترة قامت أيضا حركة ” فتح ” بتشكيل التنظيم الطلابي في لبنان, و لكن سرعان ما قام المكتب الثاني بالقضاء على هذا التنظيم و إلقاء القبض على رموزه , نتيجة لان التنظيم لم يتخذ قواعد السرية المطلقة في عمله.
فتقرر إعادة ترتيب الوضع التنظيمي لحركة ” فتح ” في لبنان, و تقرر تأسيس اللجان الطلابية, و كلفت لجنة مكونة من ” لمعي قمبرجي و أميل خوري ” بإعادة البناء التنظيمي لحركة ” فتح ” في لبنان, فقاموا بتشكيل لجنة طلابية بسرية مكونة من ثلاثة أشخاص:”نزار عمار, عاطف بسيسو و سمير أبو غزالة “الحاج طلال” .
و قامت هذه اللجنة بتشكيل التنظيم الطلابي لحركة ” فتح”, فأسسوا لجنة التنظيم للجامعة الأمريكية في بيروت , و لجنة” جامعة بيروت العربية “, و كان من ضمن هذه اللجنة ” طارق أبو رجب “.
شكلوا خلايا خماسية منفصلة عن بعضها , إضافة إلى لجان التنظيم في معاهد ” الاونروا ” مثل معهد ” VTC”و معاهد الاونروا للتدريب المهني, فتشكلت نواة التنظيم السياسي من التنظيم الطلابي .
كانت مهام التنظيم تحديد كوادر طلابية إعلامية,لمهام طباعة و توزيع البيانات الصادرة عن قوات العاصفة على وسائل الإعلام بسرية مطلقة, فكان نزار عمار يتولى تزويد ثلاثة صحف,و أبو غزالة ثلاث صحف و عاطف بسيسو ثلاث صحف أخرى.
و كان توزيع النشرات و البيانات على الصحف سرا دون احتكاك مباشر مع الصحافة.
إضافة إلى توزيع كتيبات حركة ” فتح ” الأساسية على الشخصيات السياسية, ثم تطور هذا العمل إلى إقامة علاقات ” المساندين” من اللبنانيين للثورة الفلسطينية و لحركة ” فتح ” , في الوسط السياسي و الإعلامي, و هذه المهام أوكلت للآخرين من الكوادر في حركة ” فتح “.
و في أوائل عام 1968 وصل صلاح خلف ” أبو اياد ” إلى بيروت قادما من عمان و معه تكليف من اللجنة المركزية لحركة ” فتح ” بتشكيل جهاز أمن أطلق عليه اسم ” الرصد الثوري “.
و في البداية قام “إميل خوري “و ” لمعي قمبرجي” بترشيح” نزار عمار ” ليفرز من التنظيم للعمل مع جهاز الرصد الثوري برئاسة” أبو أياد “. كما أضيف عاطف بسيسو كاسم آخر.
الابن المدلل:
ولد عاطف بسيسو في مدينة غزة عام 1948 في بيت والديه بحي الرمال لعائلة فلسطينية ثرية, يمتد تاريخه لاكثر من أربعمائة عام قبل مجيء مؤسس العائلة من الشام,و كان لهذه العائلة”بسيسو” أملاك كثيرة في مدينة غزة و بئر السبع,و اشتهرت العائلة بالتجارة و المتعلمين الذين انهوا دراستهم الجامعية في أستا نبول بتركيا خلال الحكم العثماني لفلسطين و بلاد الشام.
كان خال والده” عاصم بسيسو ” أحد مؤسسي ” المنتدى الوطني ” في تركيا, و هو تجمع وطني قومي عربي ينادي باستقلال الأمة العربية,و حكم عليه بالإعدام.
و كان ” خليل بسيسو ” جد والده رئيس البلدية و عضو مجلس مبعوثان ” البرلمان العثماني”.
كان والده ” فائق بسيسو “يعمل مديرا لبنك ” الأمة العربية” في الخليل و غزة, كما كان أمينا لـ “صندوق الأمة ” الذي كانت مهمته إنقاذ ارض فلسطين من اليهود, و اعتقل والده ثلاث مرات خلال الانتداب البريطاني , و نفي إلى طبريا شمال فلسطين و مرة أخرى إلى ” عسلوج ” جنوبها, و كان من قادة الثورة الفلسطينية عام 1936.
و كان والده يحب الصيد, كما كان يأخذ معه” عاطف ” إلى الصيد في قطاع غزة,و عندما بلغ ” عاطف” 12 عاما, اشترى له والده سيارة ” لاندروفر ” مستعملة,من قوات الطوارئ الدولية العاملة في قطاع غزة, أثناء الحكم المصري لقطاع غزة,و كانت قوات الطوارئ الدولية تبيع أحيانا بعض سياراتها المستعملة..
تركت هذه الهواية بصماتها لاحقا على الشاب المدلل فنشا يحب السيارات و الصيد و المغامرة..و لم يتخلى عن هوايته طوال حياته و حتى استشهاده..
و في عام 1965 كان صخر بسيسو” محافظ خان يونس و نائب سر المجلس الثوري لحركة ” فتح ” حاليا “, يحمل بعض نشرات العاصفة, في مهمة تنظيمه لحركة ” فتح “, و توجه إلى والد “عاطف ” في غزة و سلمه النشرات, إشارة إلى أن ” المبعوث أمين “, و منهم والد ” عاطف ” الرسالة, فطلب منه صخر دعما ماليا لحركة” فتح “, فأعطاه في حينها مبلغ ألف جنيه ..
و عاد صخر بالمبلغ إلى أحد رموز حركة ” فتح ” حيث سلم المبلغ مجددا إلى ” أبو صبري “.
في ذلك الوقت لم يكن ” عاطف بسيسو” يعلم أن صخر عضو بتنظيم حركة “فتح “,
هذه الحادثة كانت منعطفا في حياة عاطف بسيسو,رغم انه يعلم بها في حينه, و لكنه وجد نشرات حركة ” فتح” في مكتب والده, فاطلع عليها و اهتم بها و اصبح يتابع أخبار حركة ” فتح ” و يتمنى الانضمام إليها فقد وجد ضالته..
و في عام 1967 كان ” عاطف بسيسو ” يدرس الحقوق في جامعة بيروت العربية,و كان لأسرته منزل في القاهرة في شارع عبد العزيز فهمي, و هناك عرف بانتماء ” صخر بسيسو ” لحركة ” فتح “, بعد أن غادر القاهرة إلى دمشق للتدريب العسكري في تشرين الثاني 1967,و بعد عودة” صخر ” إلى لقاهرة, تحدث عاطف عن رغبته بالمشاركة و التدريب في حركة ” فتح ” و قال لصخر انه قرا النشرات التي كانت تصل إلى والده في مدينة غزة.
وافق “صخر بسيسو ” على انضمامه لحركة” فتح” و رشحه أيضا عام 1968 للانضمام لجهاز ” الرصد” , و كان ” عاطف بسيسو” من أوائل الذين اعتقلوا في لبنان عام 1968.
الرصد المركزي:
كلف نزار عمار بتشكيل جهاز”الرصد الثوري ” في لبنان , و كان نائبه عاطف بسيسو,فتولى ” نزار عمار” الجانب المعلوماتي, بينما تولى ” عاطف بسيسو ” جانب تشكيلات قتالية و مجموعات تنفيذية, و قام ” عاطف” باختيار أفراد من داخل التنظيم للقيام بأي ” عمليات تعرضية ” تطلب من جهاز” الرصد الثوري” في لبنان, فقام بتدريب المجموعات السرية و تجهيزها ثم قام بتوزيعها على كل مناطق لبنان من شماله إلى جنوبه, و هذه المجموعات تولت القيام بمهام صدرت إليها من قيادة الثورة الفلسطينية.
في منتصف عام 1968 انتقل ” نزار عمار” من بيروت إلى الأردن ,ليعمل مع المجموعة التي قامت بتأسيس جهاز الرصد الثوري “الرصد المركزي” و الذي تشكل من:
” صلاح خلف-أبو اياد-رئيسا للجهاز, علي سلامة-أبو حسن- نائبا له,و عضوية كل من :”محمد عودة-أبو داو ود,مهدي بسيسو-أبو علي,فخري العمري- أبو محمد,مريد الدجاني-أبو رجائي, سفيان الاغا” مجيد”, نزار عمار”.
إضافة إلى القادمين من القاهرة بعد حصولهم على دورة أمنية في المخابرات المصرية,و كان عددهم اثنا عشر ضابطا فلسطينيا شاركوا في الدورة.
تولى” عاطف بسيسو ” قيادة جهاز الرصد المركزي في لبنان , بينما تولى قيادة الجهاز في سوريا” المختار صبري بصباع” و هو من العناصر المؤسسة لحركة ” فتح “.
تميز أداء ” عاطف بسيسو ” في تلك البدايات بنشاط و فعالية واضحة, حتى اصبح جهاز الرصد في لبنان رافد أساسي للجهاز المركزي في الأردن.
و أثناء توليه قيادة الجهاز في لبنان , حدثت خلافات بين جهاز الرصد و تنظيم حركة ” فتح “, فقام ” عاطف بسيسو ” بإيجاد صيغة لحل تضارب المهام و تداخلها بين التنظيم و جهاز الرصد المركزي, و استعان بخبرته بصفته أحد القيادات الطلابية للتنظيم.
تعتبر معركة “الكرامة” في آذار 1968 في الأردن, محطة أساسية و نقلة نوعية في تاريخ حركة ” فتح ” و الثورة الفلسطينية, فقد أخرجت المواجهة العسكرية الواسعة في معركة الكرامة حركة ” فتح ” و الثورة الفلسطينية من دائرة الغموض آلة دائرة النور بلا حدود شعبيا و على مستوى الوطن العربي, بعد أن خيمت ظلال هزيمة حزيران 1967 على الوطن العربي, فتعطشت الأمة العربية إلى بطل يبعد شبح الهزيمة و يقود إلى النصر..
و كان البطل الثورة الفلسطينية التي حققت انتصارا عسكريا على الجيش الإسرائيلي المزهو بانتصار على الجيوش النظامية العربية, و لكن انتصار معركة ” الكرامة” و الذي استقبله الشعب الفلسطيني و الأمة العربية بحفاوة بالغة مشهودة, فاندفع الآلاف إلى التطوع للقتال في صفوف الثورة و توفير الدعم المعنوي و المالي فأحسنت الثورة الفلسطينية في توظيف هذا الانتصار شعبيا و أدت فوض التنظيمات إلى توظيف خاطئ أحيانا بالاتجاه إلى خطف الطائرات و عمليات كشفت للثورة الفلسطينية أنها كانت تقف على رمال متحركة, فانتهى الانتصار بمأساة حقيقية..
و في عام 1971 خرجت الثورة الفلسطينية و أجهزتها من الأردن إلى لبنان , فتواجدت كافة قيادات جهاز الرصد في لبنان , لتبدا رحلة إثبات الوجود..
في لبنان كانت مشاعر المرارة و الغضب تتأجج , فبرزت ظاهرة خروج” أبو حسن سلامة ” من قيادة جهاز الرصد المركزي, و قيامه بتأسيس جهاز أمن الرئاسة” القوة 17 “, فقام ” أبو اياد ” بإعادة تشكيل قيادة الجهاز و ضمن التشكيل الجديد كان ” عاطف بسيسو ” أحد أعضاء القيادة المركزية للجهاز برئاسة ” أبو اياد ” منذ عام 1972.
و كانت أحد مهام الجهاز آنذاك القيام بعمليات خارجية تعرضية, الهدف منها إثبات للعامل بان الشعب الفلسطيني ما زال حيا و حركة ” فتح ” ما زالت قادرة على القيام بعمل تعرضي, و في تلك المرحلة” مرحلة إثبات الوجود”.
و تولى الجهاز بعض مهام أيلول الأسود مع أبو حسن سلامة و أبو يوسف النجار.
كان” عاطف بسيسو ” من انشط العناصر في اختيار و تدريب و تجهيز المجموعات,لتنفيذ مهام تلك المرحلة, فامتد هذا العمل من لبنان ليصل إلى كافة دول أوروبا,و كان منهمكا في تلك المرحلة أيضا, لتجنيد مجموعات أجنبية مساندة للثورة , و لاسيما من الحركات اليسارية في أوروبا و العالم,لتأهيلها و تدريبها و تعبئتها, تم ذلك في معسكرات و أحيانا في بيوت سرية في لبنان , و كان دائم السفر لمتابعة هذه المهمات.
خلال تلك الفترة تقدمت منظمة التحرير الفلسطينية بطلب إلى اللجنة المنظمة للألعاب الأولمبية في ألمانيا , مشاركة وفد رياضي فلسطيني يمثل منظمة التحرير الفلسطينية , و كان الرد هو الصمت المهين.
و في أيلول 1972 افتتحت دورة الألعاب الأولمبية في ميونخ, و قامت مجموعة فلسطينية مسلحة باحتجاز رهائن إسرائيليين من الرياضيين, و انتهت العملية بمقتل الرياضيين الإسرائيليين ثم واصلت دورة الألعاب الأولمبية نشاطها الرياضي بعد توقف 48 ساعة,و استغرقت العملية 12 ساعة.
على اثر تلك العملية بدأت الاتهامات الإسرائيلية تلاحق” عاطف بسيسو ” بان ضمن المجموعة المشرفة على التخطيط و تنفيذ عملية” ميونخ ” و رغم انه كان بتونس أثناء تنفيذ العملية..
كان اليأس قد دفع مجموعة فلسطينية بتنفيذ عملية ” ميونخ ” نظرا للأضواء الإعلامية العالمية المسلطة على دورة الألعاب الأولمبية, لتحسيس الرأي العام العالمي بقضية الشعب الفلسطيني,و بالمقابل استغلت إسرائيل الصدى الإعلامي لهذه العملية في حينها,لاتخاذ قرار بتصفية كل من شارك بالتخطيط للعملية,و اعتبرت إسرائيل أن الصدى الإعلامي العالمي للعملية يعطيها الشرعية للقيام بمسلسل اغتيالات,للانتقام لمقتل أحد عشر رياضيا إسرائيليا, ووضعت ” الموساد ” اسم ” عاطف بسيسو ” ضمن القائمة السوداء للاغتيالات..
محاولة تفجير طائرة العال في روما ..
اشعلت عملية ” ميونخ ” الحرب السرية بالاتجاهين بلا هوادة ، وتحولت أوروبا إلى مسرح للعمليات الخارجية لمجموعات فلسطينية عديدة ، وبالمقابل دخل الموساد الإسرائيلي الى الميدان يوجه الضربات ويتلقى الضربات أيضاً ، ونتوقف هنا عند إحدى العمليات في ايطاليا ، وهي محاولة تفجير طائرة العال الإسرائيلية ..
في عام 1973 قام ” عاطف بسيسو ” بالتوجه الى ايطاليا بجواز سفر عربي باسم ” الطيب الفرجاني ” ، مع مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين . وكان ” الشيخ زكريا ” قد اعتق في ايطاليا قبل وصول المجموعة بفترة ..
وطبقاً لخطة العملية فقد حصلت المجموعة على صاروخ من احدى السفارات العربية في روما ، ووضعت الهدف بتفجير طائرة العال الاسرائيلية في مطار روما .
وبخطأ غير متوقع فقد انكشفت العملية عندما وقع الصاروخ على الارض وكان مموهاً بقماش واشياء ، فاعتقلت المجموعة من قبل البوليس الايطالي ..
بعد اعتقال ” عاطف بسيسو ” تعرض للتعذيب ، وتدخلت المخابرات الاسرائيلية للتأكد من شخصية ” الطيب الفرجاني ” المثبته في جواز سفره العربي .
اصر ” عاطف بسيسو ” على انه مواطن لتلك الدولة وعلى صحة البينات الواردة في جواز سفره .
المخابرات الإسرائيلية أكدت للمخابرات الايطالية أن المعتقل هو ” عاطف بسيسو ” وليس الشخص المسمى ” الطيب الفرجاني ” ، ولكن عاطف رفض الاعتراف بشخصيته الحقيقية .. واثناء اعتقاله اوصل له ” الشيخ زكريا ” رسالة تقول ان الموساد يخطط لتصفية ” عاطف بسيسو ” في السجن .
بعد ان فشلت المخابرات الإسرائيلية باثبات شخصية ” عاطف بسيسو ” حاولت القيام بلعبة أخرى لاثبات اتهامها امام الاجهزة الايطالية .
فقامت المخابرات الإسرائيلية في غزة باستدعاء والدته أثناء اعتقاله في روما ، وطلبت المخابرات الإسرائيلية من والدته زيارة ولدها في السجن في ايطاليا ان رغبت بذلك ، ففهمت والدته القصد الخبيث ، ورفضت بدورها الاعتراف مطلقاً بان ابنها معتقل في ايطاليا او انها ترغب بالسفر ..
كان ” عاطف بسيسو ” يتوقع في السجن خطوة كهذه ، بان يتم جلب احد افراد اسرته لزيارته ولكشف شخصيته ، فهيأ نفسه بعدم التعرف على أي زائر .. وفشلت محاولة المخابرات الاسرائيلية مرة اخرى ، فخططت لاغتياله ، هذه المرة بعد ان قامت السلطات الايطالية بالافراج عنه بحيث يتوجه الى ليبيا .. فأقلعت طائرة عسكرية ايطالية تحمل ” عاطف بسيسو ” و “غسان طه ” باتجاه ليبيا وقامت بالهبوط في قاعدة عسكرية بريطانية في مالطا ،وكان معهما عدد من كبار الضباط في الأمن الايطالي ،وواصلت الطائرة رحلتها الى أحد المطارات الليبية فنزل ” عاطف بسيسو “و “غسان طه ” وعادت الطائرة وأقلعت في الجو .. وبعد دقائق انفجرت الطائرة في الجو ، وقتل الطاقم الايطالي والوفد العسكري .
وبقيت هذه القضية لغزاً في ايطاليا ، حتى أن البرلمان الايطالي أثار هذه القضية مجدداً في عام 1996 حول اسباب انفجار الطائرة في الجو ومقتل كبار الضباط الايطاليين ..
كانت عملية مطار روما من العلامات البارزة في حياة ” عاطف بسيسو ” في مرحلة تحطيم الزجاج قبل أن يبدأ بإصلاح الزجاج المحطم .
وفي عام 1974 وبعد الاعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، اتخذت منظمة التحرير قراراً بإعادة تنظيم أجهزتها الأمنية ومن ضمن تلك القرار تأسيس ” جهاز الامن الموحد ” برئاسة صلاح خلف “أبو اياد ” باعتباره الجهاز الامني المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وطبقاً لهذا القرار والتوجه والمهام يفترض ان يتشكل من كافة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، كما اتخذت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قراراً بتشكيل جهاز الأمن والمعلومات ” الامن المركزي ” برئاسة ابو الهول وتحددت مهام هذا الجهاز بحركة ” فتح” فقط .
كان “عاطف بسيسو ” الرجل الثالث في جهاز الأمن الموحد اسمياً ، والثاني فعلياً وفي مرحلة لاحقة أوكل له” أبو إياد” إدارة الأمن في جهاز الأمن الموحد .
وجرى تعيين ” أمين الهندي ” نائباً لرئيس الجهاز ، وفي مرحلة لاحقة تولى كلا الرجلين أمين الهندي وعاطف بسيسو مهمة نائب لرئيس جهاز الأمن الموحد كل باختصاص ومهام ، وخاصة بعد عام 1982 تحددت القيادة الأولى لجهاز الامن الموحد ، بقيادة ثلاثية ” ابو اياد ” ، ” أمين الهندي ” ، “عاطف بسيسو ” .
ومع تأسيس جهاز الأمن الموحد ، بدأت في حياة عاطف بسيسو مرحلة العمل الأمني الخلاق ، فقد تشكل هذا الجهاز من كوادر بخبرات خاصة ، وتميزت معظم كوادره ممن شاركوا في عمليات خارجية فاتجه ” أبو اياد ” الى تدريب كوادر جديدة واستقطاب كفاءات أمنية وأوكل هذه المهمة لمدير الأمن ” عاطف بسيسو ”
وحول هذه المهمة يقول ” عاطف بسيسو ” : ” لقد كانت مهمتي صعبة بعد ان أصبحت الثورة الفلسطينية تواجه هجمة استخبارية دولية ، كان لدي طريقتي الخاصة باستقطاب العناصر والكفاءات لتدريبها وتكوينها ضباط أمن لدى بعض المخابرات في العالم أسلوب بطلب علني من خلال وسائل الاعلام تجنيد ضباط أمن ، ولو فعلنا ذلك لتبرعت بعض أجهزة المخابرات بعناصر مدسوسة لذلك اتبعنا طريقة معقدة بترشيح أي عنصر للعمل في جهاز الأمن الموحد ” .
مكافحة التجسس
تولى ” عاطف بسيسو ” مسئولية ادارة مكافحة التجسس في جهاز الامن الموحد ، في ظل اصعب الظروف الامنية التي عاشها لبنان بعد اندلاع الحرب الاهلية في عام 1975 ، حيث تحول لبنان الى ساحة تستقطب اهتمام معظم اجهزة المخابرات في العالم ، وكان للعديد من اجهزة المخابرات العالمية نشاطها السري في لبنان من خلال افراد وشبكات تجسس وتداخل مع نشاط بعض التنظيمات اللبنانية ” الكتائب ” .
ونجحت ادراة مكافحة التجسس بالكشف عن العديد من شبكات التجسس الاسرائيلية والافراد من العملاء ، الذين شكلوا مصدراً هاماً للموساد للحصول على المعلومات السرية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها ، ولكن لبنان تحول فعلاً الى ” دوريات امنية ” بفعل الحرب الاهلية ، فكان هنالك اجهزة امن منظمة التحرير الفلسطينية ، واجهزة الامن السورية والمكتب الثاني اللبناني بينما فتحت بيروت الشرقية ” الكتائب ” الباب على مصراعيه بالتنسيق مع الموساد ، اضافة للشريط الحدودي الذي اقامته اسرائيل بعد عام 1978 .
ومن اهم الشبكات التجسسية الاسرائيلية ، التي وجهت من قبل الموساد ، والتي قامت بالتسلل الى بعض مواقع العمل الخارجي ولجان العمل الخارجي المضاد لاسرائيل ، مثل قضية اللبناني ” ط. ع” والتي ساعدت شبكته ، الموساد بكشف نوايا عمليات خارجية لمنظمة الصاعقة الفلسطينية ، ثم ساعدت الموساد باغتيال زهير محسن .
وقد قام ” عاطف بسيسو ” بالكشف عن هذه الشبكة ومتابعتها بكفاءة عالية والتي كان من ضمن مهامها توجيه ضرب اهداف اسرائيلية من الموساد مثل الكنيس اليهودي وقطار المهاجرين اليهود في المانيا .
تمكنت مكافحة التجسس في جهاز الامن الموحد ، من اكتشاف عدد من اجهزة الاتصال السرية الاسرائيلية في لبنان والتي كان الموساد يزود بها عدد من عملائه . وكانت في غاية الدقة والتطور التكنولوجي ، وقد جرى تنسيق بين جهاز الامن الموحد وجهاز المخابرات العامة المصرية لاجراء الدراسات على هذه الاجهزة المتطورة والاستفادة من تطورها في مكافحة النشاط التجسسي الاسرائيلي .
وقد استطاع جهاز الامن الموحد اكتشاف جهاز ارسال اسرائيلي في بيروت ، كان يعتبر اهم انجاز تكنولوجي واجريت عليه ابحاث عديدة بالتنسيق مع المخابرات المصرية .
يقول ” عاطف بسيسو ” : ” لقد كنا نواجه في لبنان مشكلة حقيقية بالحصول على وسائل اتصال ومعدات كان جهاز الامن الموحد يحتاجها خاصة في ادارة مكافحة التجسس ، ولم نستطع الحصول على الاجهزة المتطورة ، حتى من الكتلة الشرقية او من ” السوق السوداء ” ، وتوصلنا الى قناعة بوجود توجه دولي بعدم حصولنا على اجهزة اتصال متطورة نظراً للجهود المكثفة التي بذلت من طرفنا للحصول على مثل هذه الاجهزة ، وعلى مستوى ” السوق السوداء ” الدولية السرية كانت أيضاً تفرض بيعنا اجهزة محددة بينما كانت تعرض علينا اجهزة اخرى اقل تطوراً ” .
هذه المشكلة التي واجهتها اجهزة الامن الفلسطينية كانت تعني ان هنالك سقف للنشاط الامني الفلسطيني في لبنان وخطوط حمراء حددتها توجهات دولية لذلك لم تستطع اجهزة الامن الفلسطينية رصد البث اللاسلكي لشبكات الموساد العاملة في لبنان الا من خلال الكشف عن اعضاء هذه الشبكات التجسسية .
ورغم الصعوبات البالغة أحياناً ، تحققت نجاحات نوعية حظيت باعجاب وتقدير اجهزة الامن الدولية الصديقة التي قامت بالتنسيق مع جهاز الامن الموحد وقدرت الاجهزة الصديقة انها تتعامل مع حالة امنية جدية وجهاز ناشئ بكفاءات مما جعل جهاز الامن الموحد يهتم بالتنسيق الامني لتعويض جوانب يحتاجها في عمله ، وتحديداً مع اجهزة المخابرات لدول اوروبا الشرقية ، التي فتحت المجال للدورات الامنية وتعاونت الى قدر كبير بالتنسيق مع جهاز الامن الموحد في متابعة بعض القضايا وكشف هوية ضباط الموساد العاملين في اوروبا .
محطات التجسس الإسرائيلية
استفادت الموساد كثيراً من الحصانة الدبلوماسية لسفاراتها في أوروبا والعالم واستغلت الوضع الدبلوماسي لتشكيل محطات تجسس إسرائيلية في كافة دول العالم التي تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل .
ووظفت الموساد امكانات مادية ضخمة لاقامة تلك المحطات والحفاظ على سريتها ، ورغم السواتر التي استخدمتها في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية فقد اديرت المحطات التجسسية للموساد من خلال ضباط عاملين في السفارات الاسرائيلية تحت غطاء دبلوماسي .
وكانت الحرب السرية قد بدات بين اجهزة امن منظمة التحرير الفلسطينية والموساد ، في الظلام ، ولكن مخابرات اوروبا الشرقية كانت ترصد محطات التجسس الاسرائيلية بشكل دائم ، وتتابع كافة التطورات لتلك المحطات ، وتكون لدى اجهزة المخابرات الشرقية ارشيف سري هام للغاية ، افاد منه جهاز الامن الموحد قدر المستطاع ، في قضايا محددة في ادارة العملاء المزدوجين وقضايا امنية اخرى . وقد احترف ” عاطف بسيسو ” المناورات الامنية حتى اصبح من القلائل على مستوى اجهزة منظمة التحرير الفلسطينية بالمستوى الذي وصل اليه واكتسب تجربة وخبرة رفيعة المستوى ، خاصة على مستوى مكافحة نشاط الموساد . واستطاع ” عاطف بسيسو ” الحصول على جزء من ارشيف مخابرات اوروبا الشرقية المتعلق بنشاط شبكات التجسس الاسرائيلية في اوروبا وبعض الدول العربية ، بما فيه أحياناً صور شخصية لضباط الموساد الين عملوا بسرية وبأسماء وهمية ،فحدد شخصيتهم وأسمائهم الحقيقية وخلفية عن حياتهم الشخصية والمهنية ، فكان أداءً متكاملاً حققته من خلال بوابة التنسيق الأمني .
التنسيق الأمني في لبنان..
بعد فترة وجيزة من تأسيس جهاز الأمن الموحد,قرر ” أبو اياد” إقامة علاقات للتنسيق الأمني مع مخابرات الاتحاد السوفييتي و دول الكتلة الشرقية مثل: ألمانيا الشرقية,بلغاريا,تشيكوسلوفاكيا,يوغوسلافيا.
و قد أقام أبو اياد هذه العلاقات و اشرف على متابعتها” عاطف بسيسو”, انسجاما مع سياسة منظمة التحرير الفلسطينية بإقامة علاقات وثيقة مع هذه الكتلة.
و قد أقيمت هذه العلاقات على أسس تبادل المعلومات و الخبرات الأمنية و التقنية و مكافحة النشاط التجسسي الإسرائيلي.
و كان ” عاطف بسيسو” لديه نظرة مستقبلية للعمل الأمني, دائم التفكير بالخطط و الخطط المستقبلية, فسعى لتشكيل دائرة متكاملة للأمن, فاشرف على إرسال كوادر من جهاز الأمن الموحد في دورات أمنية متعددة إلى الاتحاد السوفييتي و دول أوروبا الشرقية , لتدريب أعضاء و كوادر الجهاز في كافة المجالات, حتى توصل لاتفاق مع بعض أجهزة المخابرات الأوروبية الشرقية بفتح معسكرات تدريب خاصة في مجال الأمن.
و حصل جهاز الأمن الموحد بموجب علاقات التنسيق الأمني, على منح دراسية في دول أوروبا الشرقية لدراسة الأمن على المستوى الإستراتيجي, استغرقت إحدى تلك المنح مدة أربع سنوات كاملة للحصول على درجة البكالوريوس في الأمن.
كان ” عاطف بسيسو” يرسل أحد أعضاء الجهاز إلى بلد ما, يوجهه بتعلم اللغة, و يطلب منه الاطلاع على معلومات حول ذلك البلد من خلال الصحف و وسائل الإعلام,يرسله و يتركه لفترة , لبناء علاقات و لا يكلف بعمل أمني لاحتياجه في الوقت المناسب.
كان يحب النظام ,شجاع,وصفه زملاءه بـ”البرنس”,يبادر بنفسه أثناء القيام بأي مهمة, و يوجه العاملين معه باستمرار مما يكسبهم التجربة, يجب الانضباط و النظام, و كان يرى هذه الصفات من افضل مميزات العمل الأمني,كان يرشد و يناقش الموضوع مع عضو الجهاز المعني بالأمر, و لديه قدرة فائقة على العمل بسرية تامة.
تتلمذ على يد ” عاطف بسيسو” عدد كبير من الضباط و القيادات الأمنية, و كان هاجسه تطوير دائرة الأمن, بتدريب الشباب و تعليمهم القواعد و الأسس العلمية الأمنية, فأفاد من العلاقات السياسية المميزة لمنظمة التحرير الفلسطينية مع الدول الاشتراكية و بعض الدول العربية لاستثمارها أمنيا.
أعطى منذ بداية جهاز الأمن الموحد الأولوية للدورات الأمنية التي كان يحتجها الجهاز,فاستطاع معظم الكادر الذي عمل مع ” عاطف بسيسو” أن يحصل لكل ضابط ما بين 3-4 دورات كحد أدنى في الاتحاد السوفيتي و دول أوروبا الشرقية في كافة التخصصات الأمنية.
يقول ” أبو عاطف ” أحد الضباط الذين عملوا مع ” عاطف بسيسو “:” في عام 1983 أترسلني إلى دورة أمنية في تشيكوسلوفاكيا لمدة ثلاثة شهور, و في حزيران 1983 طرحت الأكاديمية الأمنية ضمن التعاون المشترك, منح مقعدين لفلسطين لدراسة القانون و الأمن و مدة الدراسة ست سنوات, و يحصل الطالب على الدكتوراه في القانون و العلوم الأمنية, فرشحني” عاطف بسيسو” للدورة الجديدة ووافقت..
كان يزورنا في الأكاديمية باستمرار و يشجعنا, خاصة انه تخصص محدود في منظمة التحرير الفلسطينية , و قد شارك بهذه الدورة الدراسية حوالي 20 دولة من: كوبا,فيتنام ,انغولا,غينيابيساو,موزمبيق,نيكاراغوا,اليمن الجنوبي,فلسطين و دول أخرى”.
بعد إنهاء الدورة الأمنية الأكاديمية لمدة ست سنوات, عاد ” أبو عاطف” إلى تونس, فاصبح ” عاطف بسيسو ” يعتمد على تلميذه في مجالات عديدة مثل المهام الأمنية الخارجية, التعامل مع الوفود الأمنية الخارجية, فتح محطات في دول ما , مساعدة الضباط هناك , فقد كان ” عاطف بسيسو ” يعتقد أن خط الدفاع الأول ليس تونس و إنما يبدا من المحطات الخارجية, في الوسط الفلسطيني لحماية الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده و حماية الجهاز العسكري.
و اشرف” أبو عاطف ” على مكتب ” عاطف بسيسو “, مديرا لمكتبه حتى استشهاده.
بداية التحول:
بعد تأسيس جهاز الأمن الموحد في عام 1974 , بدأت عملية تحول جذرية في أسلوب و أداء ” عاطف بسيسو “, فقد طوى صفحة نشاطاته العسكرية التي واكبت مرحلة” إثبات الوجود ” للثورة الفلسطينية, لتبدا مرحلة إرساء ركائز شرعية منظمة التحرير الفلسطينية و استثمار الدعم السياسي الدولي الواضح لمنظمة التحرير منذ عام 1974, ضمن واقع لبنان و اندلاع الحرب الأهلية و تشابك أداء الفصائل و التنظيمات الفلسطينية و الحركة الوطنية اللبنانية, و بعد أن بدأت مرحلة الصراعات الدموية في لبنان.
لم تكن شخصية ” عاطف بسيسو” معروفة على صعيد الثورة الفلسطينية بشكل علني, و اختار لنفسه طرقا منذ البداية بعيدا عن الأضواء ووسائل الإعلام, فلم يتحدث مطلقا لأي صحيفة أو وسيلة إعلام طوال حياته , و لم تظهر صوره الشخصية من خلال وسائل الإعلام مطلقا إلا بعد استشهاده, و كان الوصول إليه يتطلب معرفة شخصية.
حدد أيضا علاقاته الشخصية بما يخدم خططه الأمنية التي عكف على ابتكارها و توظيفها غي عملية بناء متواصلة في كل الظروف لجهاز الأمن الموحد.
و أمام كل نجاح حققه كان يشعر بمزيد من الحذر من اغتيال متوقع, ثمنا لذلك النجاح الأمني.
” أبو اياد ” كان مهندس نظرية ” تسخير العمل الأمني خدمة للأهداف السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية”, بهدف تثبيت شرعية منظمة التحرير الفلسطينية و قرارها السياسي ضمن المعطيات التي كانت قائمة آنذاك, عربيا و دوليا و فلسطينيا.
منذ البداية حدد قناعاته داخل حركة ” فتح” و منظمة التحرير الفلسطينية بالعمل في ظل ” أبو اياد “, و هذا الاختيار معروف و سجل لعاطف بسيسو و مشهود على مستوى حركة ” فتح ” و منظمة التحرير الفلسطينية, التزم بهذا النهج طوال حياته و حتى استشهاد ” أبو اياد ” و بقى وفيا لنهج معلمه.
كانت عملية الانتقال من جهاز إلى جهاز آخر في حركة “فتح” عملية ممكنة و سهلة أيضا, و لكن ارتباط عاطف بـ” أبو اياد” تجاوز حدود العلاقة النضالية و العملية إلى العلاقة الأبوية..
شان العديد من الكوادر و القيادات الذين ارتبطوا معنويا بالرموز التاريخية لحركة”فتح”, و عندما اختفى أمين الهندي في لبنان بحادث أعلن ” أبو اياد” استنفارا في جهاز الأمن الموحد للبحث عنه و كان يصرخ في وجه معاونيه :انه أمين..ولدي!!
جمعت المحبة و التضحية و الإخلاص هؤلاء الرجال , فكانت قيادة تاريخية لجهاز الأمن الموحد..
في عام 1982 كان ” عاطف بسيسو” محط الأنظار.. فرفض كل العروض و تمسك بقائده ” أبو اياد “, رفض الملايين من الدولارات,مليوني دولار رفضها” عاطف بسيسو ” مقابل موقف سياسي في مشروع سياسي في المنطقة العربية.. و شهد ” أبو اياد” صلابة ” عاطف بسيسو ” و تمسكه بقضية شعبه..
تحدث ” عاطف بسيسو” عن هذه الحادثة, ساخرا بمرارة من البعض الذين استنكروا عليه هوايته المعروفة بقيادة السيارات, و عندما اقتنى في لبنان سيارة حديثة مكشوفة”sport”, اشتراها من ماله الخاص المرسل إليه من أهله في قطاع غزة..
انبه ” أبو اياد ” على شراء هذه السيارة فقال له: انك تعلم كيف اشتريت السيارة من مالي الخاص..”.
فقال ” أبو اياد ” و لكنهم لا يعلمون..
ومنذ تأسيس جهاز الأمن الموحد طبق ” أبو اياد ” سياسة ثابتة تميز بها الجهاز, سياسة التقشف و أحيانا لدرجة الزهد, لان ” أبو اياد ” كان يرى بان المال مفسدة..
و عايش ” عاطف بسيسو” رحلة التقشف كاملة, و لم يتعارض معها, و رفض أن يتجه لأي جهاز آخر في منظمة التحرير الفلسطينية ربما كانت سياسته المالية مختلفة, رغم العروض المتكررة في بداية الطريق, حتى وصل البعض إلى قناعة..
عندما تجاوز ” عاطف بسيسو” حدود الرفض إلى العمل الجاد على محاربة التجاوزات, فرفض دائما منح الشرعية لأي خطا أو مخطئ , فكان مشاكسا, و رغم دبلوماسيته المعروفة, لم تسعفه بالتستر على تجاوزات مرفوضة, فحاربها بالقنوات الشرعية من خلال” أبو اياد” و قيادة الثورة الفلسطينية.
بشخصيته المتميزة, و أسلوبه الساخر تغلب على عجزه عن معالجة أمور و قضايا لم يستطع معالجتها, لكنه لم يمنحها شرعية مطلقا..
كانت لديه قدرة على جذب محدثيه,فاستطاع بناء علاقات مع شخصيات سياسية و إعلامية, استخدم فيها سعة اطلاعه و خبرته و إدراكه لخفايا الأمور, و لم يعرف الثرثرة مطلقا في القضايا الأساسية السرية, كما تعامل مع دائرة علاقاته العامة بسرية أيضا و لم يكن من السهل حصر هذه العلاقات..
الشاعر الفلسطيني ” احمد دحبور ” عرفه عن قرب, في إحدى الدول بعد أن شهد ” عاطف بسيسو ” فض خلافا عابرا بين صديقين من أدباء فلسطين أحدهما الشاعر معين بسيسو, و على طريقته الخاصة أيضا عندما يئس من الإصلاح فقال: الآن سأطلق النار على نفسي إن لم ينته هذا الخلاف..
فضحك الجميع و تصافح الأديبان, و سكن ” احمد دحبور” بجوار منزل ” عاطف بسيسو” ووعده عاطف بزيارته و بقيت الزيارة مؤجلة حتى استشهد.. و انشد فيه ” احمد دحبور” قصيدة جميلة بعد استشهاده بعنوان” جار الرضا”.
وسط المنافسة المشروعة في أوساط أجهزة أمن منظمة التحرير الفلسطينية, اعترف الجميع بقدراته الخاصة و كفاءته و إخلاصه, لمن احبه منهم و للذين كرهوا نجاحا ته..
فاستطاع ترويض نفسه على قتل الرغبة في حب الظهور داخله, فاختفى يعمل بصمت كرجل ظل, و لدى قطاع واسع من الشعب الفلسطيني لم يسمع بعاطف بسيسو سوى عند الإعلان عن استشهاده في باريس, و دهش الكثيرون من الضجة الإعلامية حول اغتيال هذا المسؤول..المجهول.
كان دائم التذمر و الشكوى من الأوضاع الخاطئة, و في الوقت نفسه يجتهد لاصلاحها,لتصويب الأداء, و يعبر عن رأيه في مواقف كثيرة بسخرية, فكان خفيف الظل..
اشتكى أحد ضباطه يوما بان ” عاطف بسيسو” لا يكلفه بمهام فعلق على ذلك قائلا:” لو كلفته بمهمة سرية, ووجد في الطريق نفرا من أصدقائه لاخذهم معه إلى المهمة يجب ألا يطلع عليها أحد, هذه طبيعته لا أستطيع تغييرها, و لكن أكلفه بمهام إدارية غير حساسة..”.
لك يكن مغرورا و لكنه كان واثقا بنفسه و يخشى الفشل دائما, قبل أن يقوم بأي عمل كان يضع أمامه كافة الاحتمالات, يحاول أن لا يترك احتمالا مهما كان ضعيفا..
و لم يتحدث مطلقا يوما بغرور مع جهاز الأمن الموحد, كما لم يقلل من شانه,كان يضع الجهاز ضمن الوضع الحقيقي الذي وصل إليه,إيجابا و سلبا و يسعى لتطوير الجهاز,فقد أعطى معظم وقته لبناء الجهاز منذ تأسيسه و على مدى 18 عاما, بدون انقطاع و في كل الظروف, مع رفاقه في قيادة الجهاز..
الجيش الفلسطيني
بدأت منظمة التحرير الفلسطينية تشكل قوة عسكرية حقيقية في لبنان, بعد سنوات من اندلاع الحرب الأهلية, و بالتالي تطورت المواجهة العسكرية مع إسرائيل لتأخذ أسلوب الحرب الشاملة, تمثلت بالاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978 ثم الحرب الجوية في عام 1981, و كانت منظمة التحرير الفلسطينية تسعى بكل الوسائل لتطوير قدراتها العسكرية, حتى حققت تطورا نوعيا, و يقول احمد عبد الرحمن أمين عام مجلس الوزراء في السلطة الفلسطينية:” قبل حرب 1982 امتلكت منظمة التحرير الفلسطينية صواريخ ذات مدى يزيد عن 25 كم, و مدفعية ثقيلة 155 هاو زر قادرة على قصف نهاريا و نتانيا في عمق إسرائيل كما امتلكت دبابات , فأصبحت تشكل جيشا بكل ما تحمله الكلمة من معاني , و لم تكن مجرد مجموعة من الفدائيين معزولين هنا و هناك.
قبل حرب 1982 بعام واحد , كانت حربا أخرى تدخل فيها فيليب حبيب مندوبا عن الإدارة الأمريكية و تم في هذه الحرب الاتفاق على أول وقف لاطلاق النار بين منظمة التحرير الفلسطينية و إسرائيل, اضطرت إليه إسرائيل بعد أن نجحت القوات الفلسطينية في ضرب العمق الإسرائيلي”.
و في شباط 1982 قام الكسندر هيم وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية بزيارة إلى إسرائيل, و عقد اتفاق سري مع وزير الدفاع الإسرائيلي شارون حول حدود عملية ” سلامة الجليل” , فقد ادعى شارون أنها على مدى 47 كم فقط داخل الأراضي اللبنانية, في حين تم اتفاق ثلاثي بين شارون ووزير الخارجية الأمريكي و بشير الميل الذي كان يمثل القوة المارونية في لبنان على وصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت.
أخفى وزير الخارجية الأمريكي حقيقة الاتفاق عن الرئيس الأمريكي رونالد ريغان, لذلك استقال بعد أن بدأت الحرب و تجاوز الجيش الإسرائيلي الحدود المعلن عنها للعملية.. و بعد أن شارك شارون في هذه الحرب 120 ألف جندي إسرائيلي , و لم يتوقف مسلسل التضليل الذي اتبعه شارون بل أخفى عن رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيقن الخسائر الحقيقية للجيش الإسرائيلي, و عندما عرف مناحيم بيقن الأرقام الحقيقية خاصة نسبة الخسائر العالية و لأول مرة في تاريخ الحروب الإسرائيلية-العربية من كبار الضباط و الجنرالات في الجيش الإسرائيلي, فأعلن بيقن عن شارون كذب عليه بحقيقة الخسائر و استقال و لزم بيته حتى مات.
كانت حرب حقيقية شاملة بين جيشين , استغرقت حوالي ثلاثة اشهر حتى نفذت الذخائر لدى القوات الفلسطينية خاصة مضادات الطائرات..
و كان الخروج من بيروت و الذي انتهى بمذبحة صبرا وشاتيلا بعد اغتيال بشير الجميل في 12 أيلول 1982, بإيعاز و تحريض من شارون..
لم تكن الحرب مفاجأة لمنظمة التحرير الفلسطينية, بل كانت متوقعة و النوايا الإسرائيلية كانت مبيتة للقيام بحرب واسعة النطاق في لبنان, فاهتم “عاطف بسيسو” بنقل الوثائق السرية لمنظمة التحرير الفلسطينية و جهاز الأمن الموحد خارج لبنان قبل اندلاع الحرب و أثنائها أيضا, إضافة إلى المهمات السرية التي كان يكلف بها من قبل ” أبو اياد”, فغادر بعد الحرب بيومين إلى ” أبو ظبي” مع مساعد له ثم عاد إلى الحدود السورية اللبنانية يتابع الاتصالات و النشاطات الأمنية في ظل الحرب.
يقول” عاطف بسيسو”:”خلال فترات عديدة معروفة تعرضت مكاتبنا إلى الإغلاق أو الاستيلاء عليها بسبب خلافات سياسية, و لكن أتحدى أن حصلت تلك الدول على وثيقة سرية واحدة بموجب الاستيلاء على المكاتب, لقد كنا ننقل وثائقنا فورا عندما تلوح الخلافات السياسية في الأفق, و حتى في الظروف العادية, بشكل منظم إلى بلدان أخرى و في بيروت سرية لضمان عدم وصولها لأي جهة, لذا أصبحت مكاتبنا الرسمية و حتى منازلنا خالية من أي وثائق”.
و قد استثمر جهاز الأمن الموحد علاقاته الأمنية الخارجية جيدا في كافة الجوانب لتوفير الحصانة و السلامة للجهاز,حتى أوجد قواعد أمنية إستراتيجية في العالم خاصة في أوروبا الشرقية خلال تواجد الثورة الفلسطينية في لبنان.
في تونس ..الطريق إلى مدريد
أثناء خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت, عبر ” أبو عمار” عن إدراكه للمرحلة القادمة بعد بيروت , بقوله انه ذاهب لفلسطين..
فالحرب لم تكن عملا عسكريا معزولا , فعندما تهدا المدافع تأخذ الدبلوماسية و الاتصالات السياسية دورها بشكل معلن أو سري.
وافقت تونس على استضافة مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1982, و كان اختيار منظمة التحرير الفلسطينية لتونس لاسباب منها معرفة فلسطينية مسبقة بتوجهات الحكومة التونسية , بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية, سياسة الرئيس التونسي السابق ” الحبيب بو رقيبة ” تجاه القضية الفلسطينية و التي طرحت القبول بقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947, تقسيم فلسطين إلى دولتين فلسطينية و إسرائيلية, و قد أعلن بورقيبة مبادرة بهذا التوجه عام 1965 و لقيت رفضا عربيا علنيا, مما أدى لرد فعل تونسي بتوجيه سياستها الخارجية نحو أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية.
و كان الرئيس التونسي السابق يؤكد باستمرار في كل اجتماعاته مع قيادة منظمة التحرير قبل عام 1982 على موقفه بان الدول العربية أضاعت فرصة تاريخية برفض قرار التقسيم..
و قبل أن تتخذ القيادة الفرنسية قرارها بالموافقة, كانت تحتفظ بموقف سجلته منظمة التحرير الفلسطينية عندما رفضت مساندة المعارضة التونسية في احتلالها لمدينة” قفصة” في الجنوب التونسي في كانون الثاني عام 1980, كما نشطت الاتصالات التونسية مع الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على ضمانات بعدم قيام إسرائيل باعتداءات على الأراضي التونسية, في حال موافقة تونس على استضافة مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية, و كالعادة قدمت الولايات المتحدة الأمريكية وعودها..
و توزعت قوات الثورة الفلسطينية في عدة بلدان عربية مثل اليمن, الجزائر, السودان, تونس,سوريا, العراق.
و بعد اقل من عام حاولت قيادة الثورة الفلسطينية العودة إلى لبنان, فكان حصار طرابلس عام1983 و الذي انتهى بفقدان القاعدة و الأمل بالعودة إلى لبنان, و بانشقاق عل مستوى حركة ” فتح ” و بعض الفصائل..
و تأكدت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أن الخروج من لبنان إلى تونس طريق واحد, بلا عودة إلى لبنان, و لكن هذه الحقيقة لم تمنع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من المحافظة على ثقتها نسبيا و تواجدها العسكري في لبنان في إطار المخيمات الفلسطينية..
منذ عام 1983 طوت منظمة التحرير صفحة بيروت, و بدأت رياح التغير تهب على وجهتها, لاستثمار المرحلة السابقة و حرب بيروت سياسيا نحو تسوية سلمية مع إسرائيل..
و لاول مرة تنفذ منظمة التحرير الفلسطينية سياستها بصورة متكاملة و ناجحة, كان ذلك في مرحلة تونس, فكانت افضل مراحل سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية على توجهاتها بدون تشويش, بعد أن اتخذت المعارضة موقفا في دمشق و ليبيا و حصلت القطيعة, و لم تعد منظمة التحرير تتحمل مسؤولية المواقف الخاصة بالمعارضة و التي آثرت النشاط و الإقامة في دمشق و ليبيا و لبنان, و تميز لون منظمة التحرير الفلسطينية سياسيا و عسكريا و أمنيا.
حددت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية سياستها و تمثلت بالثالوث:القيادة السياسية ممثلة”بـ”أبو عمار”,القيادة العسكرية ممثلة بـ” أبو جهاد “, القيادة الأمنية ممثلة بـ” أبو اياد “.
و بدأت الحلقات الثلاث تعمل بتكامل كبير , لتتحدد التوجهات:القيادة العسكرية قامت بتصعيد العمليات الفدائية داخل إسرائيل و العمليات البحرية, بهدف الضغط على إسرائيل و تحريك المبادرات السياسية الدولية و سد الطريق على المعارضة الفلسطينية في دمشق.
القيادة السياسية أدت دورها بالاتصالات الدولية و السرية و استثمار التحركات الدولية و المبادرات السياسية.
القيادة الأمنية وضعت إستراتيجية” مكافحة الإرهاب ” , و فتح الاتصالات و قنوات التنسيق الأمني مع أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية, خدمة للأهداف السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية و توجهاتها.
لم تكن هذه التوجهات السياسية و العسكرية و الأمنية سهلة على ارض الواقع, بل شكلت صراعا جديدا, و لم تكن النهاية السعيدة بالعودة إلى ارض الوطن مفروشة بالورود, فقد خسرت منظمة التحرير الفلسطينية نخبة من قياداتها التاريخية, خلال السنوات العشر التي سبقت مؤتمر مدريد للسلام في 30 أكتوبر 1991, و السنوات الثلاث اللاحقة قبل أن تعلن منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني و العالم عن إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في تموز 1994, فسقطت النخبة القيادية ” أبو جهاد ,أبو اياد, أبو الهول , أبو محمد العمري,عاطف بسيسو”..
بعد حرب بيروت بسنوات اكتشفت إسرائيل أن خروج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية سليمة, أعطى المنظمة قدرة كبيرة على إعادة تنظيم صفوفها و إعادة تثبيت الأوضاع الداخلية, لذلك شهدت مرحلة تونس جهود حثيثة للمخابرات الإسرائيلية ” الموساد ” بتصفية الرموز و العقول المدبرة,و هذا التوجه الإسرائيلي ما زال قائما لإيجاد فراغ خطير حول ” أبو عمار “, و رغم انه كان هدفا للموساد لسنوات طويلة..
كانت دول أوروبية عديدة مهتمة بالتنسيق الأمني مع منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان, كما أن الولايات المتحدة الأمريكية اهتمت في لبنان بمثل هذه الاتصالات , و لكن كانت هناك عقبات كبيرة , الموقف الأوروبي و الأمريكي السياسي تجاه منظمة التحرير الفلسطينية, و موقف منظمة التحرير الفلسطينية تجاه إسرائيل و العمل العسكري خاصة الخارجي, فقد كانت سياسة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان تمتاز بمفاهيم تلك المرحلة, لذلك بقيت جميع الاتصالات السرية محدودة حذرة من كلا الطرفين, و تميزت معظمها بتدخل الوسطاء نظرا لعدم وجود علاقات رسمية.
أوروبا:
لم يكن على أوروبا من الصعب فهم التوجهات السياسية الجديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس بعد عام 1983, فبدأت مرحلة اتصالات أمنية على مستوى جهاز الأمن الموحد, مع المخابرات الفرنسية و ساعد في تقريب وجهات النظر أجهزة أمن عربية..
كان ” أبو اياد ” رئيس جهاز الأمن الموحد متهما بزعامة” أيلول الأسود “و بمسئوليته عن التخطيط لعمليات خارجية عديدة, و بالتالي فان توجه جهاز الأمن الموحد بإقامة علاقات التنسيق الأمني مع أوروبا وجد قبولا و حماسا أيضا,” فأبو اياد” في نظر أوروبا و طبقا للاتهامات الإسرائيلية لـ”أبو اياد “, يعتبر الأكثر اطلاعا في الساحة الفلسطينية على خفايا ” الإرهاب “و هذه الاتهامات الإسرائيلية لاحقت” عاطف بسيسو” أيضا, هذه الخلفية الأوروبية كانت تدفع لقبول دور بائع الزجاج, الذي كان يلقي الحجارة على النوافذ الزجاجية ليلا فيحطمها و في النهار يعرض خدماته لاصلاحها, فقد انتهت مرحلة تحطيم الزجاج في لبنان و حان الوقت للإصلاح في تونس..
الاتهامات الإسرائيلية لم تكن سرا و حملت أكاذيب معروفة, و لكنها بالمقابل أفدت كثيرا بصورة غير مباشرة في إيجاد قناعة لدى أجهزة الأمن الأوروبية بالموافقة على شروط ” أبو اياد “..
وضع ” أبو اياد ” الشروط و المقاييس لموافقة الأمن الموحد على إقامة تنسيق أمني مع أي بلد أوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية, و لم يتنازل مطلقا, رغم حاجة منظمة التحرير الفلسطينية في تلك المرحلة فتح حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية.
و كانت شروط” أبو اياد “:”الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية , التنسيق السياسي أولا ثم التنسيق الأمني ثانيا”.
إما تبادل المعلومات و التدريب و القضايا الأخرى لم يبحثها الأمن الموحد قبل ضمان حصوله على الشرطين السابقين..
و بالتالي تقدم التنسيق الأمني بشروط ” أبو اياد ” بطيئا خلال السنوات الأولى, لكن ضغط” الإرهاب ” دفع مجددا هذا التنسيق, و فتح جهاز الأمن الموحد البوابات المغلقة في أوروبا..
أما ” الإرهاب ” فقد أدى خدمة جليلة عن غير قصد لتوجهات منظمة التحرير الفلسطينية في تلك المرحلة, فقد اعتقدت بعض التنظيمات الفلسطينية أنها تستطيع التشويش على سياسة و توجهات قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بتونس بتنفيذ عمليات ” إرهابية ” في أوروبا, و في بعض الدول العربية, و لكن السياسة الأمنية الجديدة لمنظمة التحرير لعبت دورا كبيرا في إطفاء الحرائق في أوروبا و بعض الدول العربية, و لو لم تتخذ منظمة التحرير الفلسطينية سياسة التنسيق الأمني مع أوروبا لأسهمت تلك العمليات التي شهدتها أوروبا في عقد الثمانينات في تراجعات سياسية دولية خطيرة و انعكاسات قد لا تستطيع منظمة التحرير الفلسطينية احتمالها في تونس..
و بدلا من أن تؤدي تلك العمليات النتائج سلبية, أدت إلى دعم سياسة منظمة التحرير الفلسطينية أوروبيا و أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تدفع بالوسطاء لتحصل على موافقة ” أبو اياد ” على التنسيق الأمني لمكافحة الإرهاب..
خلال عقد الثمانينات شهد العالم موجة واسعة من العمليات ” الإرهابية ” بعضها نفذته منظمات فلسطينية منشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية, و بعضها نفذته منظمات عربية في لبنان لاسباب و دوافع أخرى”.
و كانت أهم محطة للتنسيق و العلاقات الأمنية لجهاز الأمن الموحد في باريس , فاتضح لاحقا أن هنالك جهات عربية لديها اهتمام بإفساد هذه العلاقات, فكانت مفاجأة لأجهزة الأمن الفرنسية عندما اكتشفت وجود أرقام هواتف لبعض مسئولي منظمة التحرير الفلسطينية في تونس , بحوزة اللبناني ” جورج عبد الله ” و الذي اتهم بسلسلة تفجيرات في فرنسا , تطوع عند إلقاء القبض عليه بعرض هذه الأرقام على أجهزة الأمن الفرنسية, و بذل ” عاطف بسيسو ” جهودا كبيرة في فك رموز هذا اللغز حتى توصل أخيرا للحقيقة بالتحريات و المعلومات حول الجهة و الأهداف و اعترف ” جورج عبد الله ” انه لا يعرف هؤلاء المسؤولين في تونس!!
و في الوقت الذي نشط فيه جهاز الأمن الموحد على مستوى أوروبا بع موجة الإرهاب التي اجتاحت معظم دول أوروبا و العالم, نشط بترسيخ مفهوم لدى أوروبا و العالم أن الإرهاب متواصل ما لم تجد القضية الفلسطينية حلا جذريا بإقامة دولة فلسطينية,كانت إسرائيل تسعى باتجاه مختلف لسد الطريق على هذه التوجهات, و في مصدر القرار و السياسة الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الدبلوماسي الإسرائيلي الشاب ” بنيامين نتنياهو ” في واشنطن 1982-1987.
ففي عام 1985 عقدت في الأمم المتحدة دورتان للجمعية العمومية لبحث” القضية الفلسطينية” و ” الوضع في الشرق الأوسط “, و قام المندوب الإسرائيلي الدائم في الأمم المتحدة “نتنياهو ” بتعميم مذكرة على مندوبي الدول يؤكد فيها وجهة نظر إسرائيل بان أعمال العنف و الإرهاب في العالم لا علاقة لها بحل القضية الفلسطينية!! كما وزع قائمة بأحداث العنف لشهر نيسان 1985 في الوطن العربي , و كانت قائمة متناقضة..
بالمقابل سعت إسرائيل آنذاك من خلال ” بنيامين نتنياهو ” , رئيس الوزراء الحالي لإسرائيل, إلى إقناع الإدارة الأمريكية باستخدام إستراتيجية جديدة تتمثل بفرض عقوبات و حصار على الدول العربية المساندة للإرهاب..
نبذ الإرهاب
في كانون الثاني 1985 اتخذت القيادة الفلسطينية قرارا بتصعيد الكفاح المسلح داخل الأراضي المحتلة, و بضرورة عودة المقاتلين إلى لبنان, و تنفيذا لهذا القرار انطلقت الباخرة الفلسطينية التي كانت تقل 28 مقاتلا فلسطينيا من مجموعات الجهاز الغربي الذي يقوده ” أبو جهاد ” ,من قاعدة بحرية عربية إلى الشاطئ الفلسطيني حيث اعترضتها الزوارق الحربية الإسرائيلية و جرى اشتباك مسلح في البحر استشهد عشرون مقاتلا و اسر ثمانية.
و في 25 أيلول 1985 اقتحم مسلحين اليخت “فيرست ” في ميناء لارنكا القبرصي و انتهت العملية بقتل ثلاثة من ضباط الموساد الإسرائيلي بينهم “سيلفيا رافائيل” التي شاركت بالتخطيط لاغتيال أبو حسن في بيروت.
و في الأول من تشرين الأول 1985 أغارت الطائرات الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس, و بعد ثمانية أيام قام مسلحون من جبهة التحرير الفلسطينية باختطاف الباخرة اكيلي لا ورو..
و في 7 نوفمبر 1985 أعلن ” أبو عمار ” في القاهرة عن ” وقف العمليات الخارجية ليقتصر الكفاح المسلح على الأراضي المحتلة”. إلا أن من حق منظمة التحرير اتباع كافة الوسائل للوصول إلى الأرض المحتلة للقيام بالعمليات المسلحة في إطار النضال الفلسطيني المشروع. و قد عرف هذا القرار بـ”إعلان القاهرة”.
و بموجب هذا الإعلان طويت صفحة العمليات الخارجية, و عكس الإعلان أيضا اتصالات سرية سياسية أدت إلى تلك الهدنة بعد مسلسل العنف و التصعيد.
كان هذا القرار محطة جديدة في التنسيق الأمني مع أوروبا , لتبدا الحرب الحقيقية على الإرهاب و بلا هوادة.
هذا القرار لم يؤثر مطلقا على إستراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية الجديدة ,السياسية و العسكرية و الأمنية, فقط حدد مساحة العمل العسكري بالأرض المحتلة, و أعطى دفعا قويا للدبلوماسية الفلسطينية السياسية و الأمنية لاستثمار هذا التحول.
مرحلة أمنية جديدة:
اعتمد جهاز الأمن الموحد في لبنان على كم كبير من الأعضاء معظمهم من المقاتلين , شاركوا في معارك الثورة الفلسطينية في لبنان, إضافة إلى المهام القتالية الأمنية التي كانت تتطلبها ظروف الساحة اللبنانية أحيانا, و على ضوء المرحلة الأمنية الجديدة انطلاقا من تونس, اصبح الاهتمام بتحقيق اقتراحات فاعلة في صفوف بعض التنظيمات المنشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية و في ساحات عديدة في العالم,للسيطرة على النشاط العسكري بالدرجة الأولى لكبح ” الإرهاب “, إضافة إلى تعزيز نشاط جهاز الأمن الموحد في مكافحة التجسس الإسرائيلي, فأصبحت المهام اكثر صعوبة و خطورة بعيدا عن قاعدة لبنان, فلم يكن مقبولا في تونس استخدام مظاهر مسلحة لحماية كوادر منظمة التحرير الفلسطينية, و اعتبرت الحكومة التونسية هذه القضية من اختصاص الأمن التونسي و المظاهر المسلحة مساس بالسيادة.
و لم تحاول منظمة التحرير الفلسطينية إحراج الحكومة التونسية, بل أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أنزلت عقوبات رادعة بحق أي عناصر فلسطينية ارتكبت تجاوزات و مخالفات في الساحة التونسية, خاصة أن الظروف التي عاشتها عناصر منظمة التحرير الفلسطينية خلال الحرب الأهلية في لبنان, تختلف بصورة قاطعة عن الحياة بدولة مستقرة أمنيا.
خلال السنوات الأولى كان هنالك تعارض تونسي-فلسطيني في فهم النوايا الإسرائيلية, فكانت منظمة التحرير الفلسطينية تعتقد بنوايا إسرائيلية مبيتة بتنفيذ اغتيالات على الأراضي التونسية, بينما كان لدى الحكومة التونسية شكوك كبيرة في إقدام إسرائيل على خطوة كهذه , حتى جاءت الغارة الجوية الإسرائيلية, التي قلبت الموازين و كانت مفاجأة غير متوقعة للرئيس السابق الحبيب بورقيبة حيث طلب السفير الأمريكي في تونس ” بيتر سيباستيان ” بعد الغارة بساعات و كان الرئيس التونسي في غاية الانفعال و حمله رسالة قاسية للغاية لواشنطن.. و قيل انه السفير الأمريكي تعرض لإهانة كبيرة!!
بعد الخروج من بيروت تصدى جهاز الأمن الموحد لعدة قضايا حساسة و خطيرة في الوقت نفسه, بدون حصانة,كانت: إعادة تنظيم الجهاز في مختلف ساحات العمل في العالم, مكافحة” الإرهاب “, مكافحة التجسس الإسرائيلي, متابعة نوايا التنظيمات الفلسطينية المنشقة, إقامة علاقات التنسيق الأمني و على نطاق واسع أوروبيا و أمريكيا, بما يشكل استفزاز خطير لبعض المنظمات الفلسطينية, و استفزاز لإسرائيل بدخول جهاز الأمن الموحد لمناطق محظورة كانت فيها أجهزة الأمن الإسرائيلية اللاعب الوحيد ووجهة النظر الوحيدة التي تستمع إليها أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية أمنيا..
أجهزة الأمن الأوروبية و الأمريكية شان كل أجهزة الأمن في العالم, لا يقتصر دورها على محاربة الجريمة و الإرهاب, بل أنها تلعب دورا أساسيا في توجيه سياسة الدولة الداخلية و الخارجية , لذا كانت العلاقات الخفية و التنسيق عنصر دفع أساسي للموقف الأوروبي في مرحلة تونس و قبل انعقاد مؤتمر مدريد للسلام..و دخل جهاز الأمن الموحد من خلال ” أبو اياد” و ” عاطف بسيسو” من بوابة واسعة و هي “مكافحة الإرهاب “.
مكافحة الإرهاب
كانت باريس المحطة الأولى والاهم في التنسيق الأمني مع دول أوروبا , فنشط الوسطاء السريون لتوسيع الدائرة أوروبيا, و هؤلاء الوسطاء كانوا من الفلسطينيين أو العرب أو الأوروبيين, فأنهت ألمانيا و أسبانيا و النمسا و إيطاليا كدول أساسية في علاقات التنسيق الأمني”.
و بعد أن نجح جهاز الأمن الموحد بإقامة علاقات تنسيق أمني مع المخابرات الفرنسية, اهتمت أوروبا بهذه القضية, نظرا للتنسيق القائم بين دول أوروبا , و أن تحيزت سياسة فرنسا بكونها” الابن العاق للولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا”و بريطانيا الأكثر قربا من السياسة الأمريكية في أوروبا.
كانت موجة العنف تجتاح أوروبا خلال عقد الثمانينات , و لا سيما منذ عام 1985 , فشهد ذلك العام عمليات خطيرة , في قبرص, و عملية اكيلي لا ورو, و كانت مبعث اهتمام بالغ من إسرائيل,إيطاليا, الولايات المتحدة الأمريكية, إضافة إلى عمليتي فيينا و روما, نفذها تنظيم ” أبو نضال ” في ديسمبر 1985 و عمليات أخرى مثل عملية مقهى ” لابيل ” في ألمانيا..
بعد عمليتي فيينا و روما في نهاية عام 1985, قام ” عاطف بسيسو ” بزيارة النمسا , و اجتمع مع وزير الداخلية النمساوي, حيث كانت النمسا قد أقامت علاقات للتنسيق الأمني مع جهاز الأمن الموحدة و كان الوزير النمساوي غاضبا في الاجتماع و اخذ يهدد بأنه سيقطع دابر الإرهاب ..
أجابه ” عاطف بسيسو “:”لن تستطيع القضاء على الإرهاب, أنا هنا في النمسا و أستطيع غدا أن ادخل أسلحة إلى النمسا و مسدسا إلى مكتبك إن أردت, القضية ليست الإجراءات الأمنية و إنما في القضية الأساسية التي تحتاج إلى حل و هي القضية الفلسطينية و لن يتم القضاء على الإرهاب بدون حل جذري للقضية الفلسطينية بإقامة دولة فلسطينية”.
عاد الوزير إلى الهدوء, و فهم قصد ” عاطف بسيسو” أن أسلحة أدخلت النمسا في السابق من خلال فرقة موسيقية أوروبية!!
و رغم إدراك دول العالم بعدم مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية من العمليات الإرهابية, و أن منظمة التحرير الفلسطينية اتجهت للاعتدال و التسوية السلمية, فقد وظف جهاز الأمن الموحد” الإرهاب ” في مباحثاته المكثفة مع أجهزة المخابرات الأوروبية لصالح حل القضية الفلسطينية و في الوقت المناسب, مما اسهم في تبلور قناعة أوروبية أمنية سياسية تطورت شيئا فشيئا, لصالح حل القضية الفلسطينية.
كان” إعلان القاهرة ” بوقف العمليات الخارجية, في نوفمبر 1985, نقطة تحول جذرية لمكافحة الإرهاب على نطاق واسع, و لكن بالمقابل بقي حق منظمة التحرير الفلسطينية باستخدام أسلوب الكفاح المسلح داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة, و بقي قائما و اشرف عليه ” أبو جهاد “و بدا الصراع الخفي, و معركة خطيرة مع الإرهاب, حتى استطاع جهاز الأمن الموحد أن يفشل ما يزيد عن مائتي عملية إرهابية في أوروبا خلال عقد الثمانينات, حصلت بالمقابل منظمة التحرير الفلسطينية على موقف سياسي أوروبي متقدم مساند لشرعية منظمة التحرير الفلسطينية دوليا و لقراراتها السياسية بقوة لمؤتمر مدريد للسلام, و كان الثمن حياة ” أبو اياد” و ” عاطف بسيسو “.
لم يتوقف أحد كثيرا عند سياسة إدارة الصراع خلال الثمانينات بالصورة المنظمة سياسيا, عسكريا و أمنيا بحلقات متكاملة, بسبب الضجيج آنذاك و تلاحق الأحداث و دوي “الإرهاب” في كل مكان, عندما اعتقدت بعض المنظمات الفلسطينية المنشقة أنها تقطع الطريق على سياسة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية, و بدلا من ذلك استطاعت قيادة منظمة التحرير أن توظف” الإرهاب” الذي استهدفت به لصالح توجهاتها بطريق غير مباشر بعد أن تخلصت من ” عبء ” المواقف الداخلية الضاغطة عليها بفعل اختيار المعارضة للانشقاق و الانفصال عن سياسة منظمة التحرير الفلسطينية..
عمليات خاصة
في عام 1985 اكتشف جهاز الأمن الموحد مجموعة فلسطينية دخلت بجوازات سفر مغربية مزورة, أقامت في ضاحية ” المرسى ” في تونس العاصمة و تنتمي المجموعة إلى تنظيم ” أبو نضال ” , و كانت ” ضاحية المرسى ” تتواجد بها منازل و مكاتب بعض قيادات منظمة التحرير الفلسطينية, و تم إبلاغ أجهزة الأمن التونسية من خلال سفارة فلسطين في تونس, و لكن المعلومات وصلت متأخرة فقد قامت أجهزة الأمن التونسية” بتمشيط ” ضاحية ” المرسى ” بحثا عن المجموعة التي غادرت الأراضي التونسية و لم تحقق أهدافها آنذاك..
و جاءت العملية الثانية , في عام 1986, بعد أن تلقت أجهزة الأمن المغربية معلومات مسبقة من إحدى الدول العربية المشرقية. حول مجموعة فلسطينية من ضمنها فتاة تونسية, تحمل متفجرات بهدف القيام بعملية ” إرهابية ” في المغرب..
و بسبب حصول المغرب على المعلومات مسبقا, تم القبض على المجموعة في المطار, و كانت هذه العملية ستلقي بظلالها على العلاقات الفلسطينية-المغربية و العلاقات الفلسطينية-التونسية, بسبب مشاركة فتاة تونسية, و على الفور سافر ” عاطف بسيسو ” مع أحد مساعديه إلى المغرب و عمل على إخفاء الحريق قبل أن تندلع النيران..
و كانت العملية بعد زيارة ” شمعون بيرس ” للمغرب و اجتماعه علنا مع الملك الحسن الثاني, و توضحت الحقائق للمغرب , كما توضحت أيضا لتونس..
و اخذ ” أبو اياد “موقفا حازما متشددا تجاه هذه القضية لمحو آثارها السلبية, و استطاع تجميد عضوية أحد أعضاء المجلس الثوري لحركة ” فتح “, كإجراء رادع..
مثل هذه العمليات التي تكررت كثيرا خلال الثمانينات, لم يكن دور جهاز الأمن الموحد, سواء أوروبيا أو عربيا” بإطفاء الحرائق” تقديم المجاملات السياسية, و إنما كشف الحقائق و الجهات و الأبعاد و الأهداف, و لم يستطع فعل ذلك لو لم يتوفر لديه شبكة اتصالات و علاقات و معلومات واسعة امتدت من الوطن العربي إلى معظم دول العالم,
ليحصل على المعلومات المسبقة” الوقائية” أو تفسير سريع لعمليات حصلت و بوقت قياسي.
و لم ينقطع ” عاطف بسيسو” مطلقا في ظل سياسة عقد الثمانينات, السياسة الأمنية لمنظمة التحرير الفلسطينية, عن تنظيم الدورات الأمنية لكوادر و ضباط جهاز الأمن الموحد, في بلدان أوروبا الشرقية, بل توصل لاتفاقيات مع فرنسا و أسبانيا لتدريب بعض ضباط جهاز الأمن الموحد و كان هذا الاتفاق في حينه يعتبر انتصارا باهرا, جعل المخابرات الأمريكية تطلب بدورها إقامة علاقات تنسيق أمني مع جهاز الأمن الموحد..
الولايات المتحدة الأمريكية:
تابعت الولايات المتحدة الأمريكية باهتمام تطور علاقات التنسيق الأمني بين جهاز الأمن الموحد و دول أوروبا , و لم تحاول عرقلة هذه التجربة, قياسا للمحاولات الإسرائيلية, حيث عملت المخابرات الإسرائيلية على إعاقة التنسيق الأمني باستخدام أسلوب التحريض لدى الأجهزة الأمنية الأوروبية ثم لجأت إلى تسريب معلومات كاذبة حول مشاركة ألمانيا في عملية اغتيال ” أبو حسن سلامة” قائد القوة 17, و أساليب أخرى كانت مكشوفة لدى أوروبا و جهاز الأمن الموحد..
و في عام 1986 بدأت المخابرات الأمريكية بالتحرك لاقناع ” أبو اياد ” بإقامة تنسيق أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية, من خلال وسطاء من الدول الأوروبية التي أقامت علاقات تنسيق أمني ووسطاء آخرين من العرب.
كانت دوامة الإرهاب تتصاعد ضد المصالح الأوروبية و الأمريكية و الإسرائيلية, و كان الرئيس الأمريكي رونالد ريغان قد اخذ على عاتقه القضاء على الإرهاب, تقدمت المخابرات الأمريكية بطلب غير رسمي إلى ” أبو اياد ” لتحديد شروطه لاقامة علاقات تنسيق أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية, فحدد ثوابت التنسيق الأمني الأساسية أولا, و كان رد الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ترغب بالتنسيق الأمني فقط دون السياسي..
ووجه ” أبو اياد ” ردا قاسيا للولايات المتحدة الأمريكية بقوله:”نحن لسنا عملاء لأجهزة المخابرات في العالم , نقدم خدمات لتلك الأجهزة, و إنما نقيم علاقات تنسيق أمني و تبادل معلومات مع أجهزة المخابرات التي تعترف دولها بالحقوق المشروعة لشعبنا, بإقامة دولة فلسطينية , و لن نقيم علاقات تنسيق أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن تعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني”.
و تعثرت الاتصالات رغم المحاولات المتكررة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية, حتى نجحت بعد أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية فتح حوار رسمي مع منظمة التحرير الفلسطينية في تونس من خلال السفير الأمريكي روبرت بليترو.
و تطورت علاقات التنسيق الأمني مع المخابرات الأمريكية باتصالات تابعها ” عاطف بسيسو” في تونس بزيارات سرية لبعض الوفود الأمنية الأمريكية إلى تونس, و لقاءات أخرى تمت في أسبانيا و بعض الدول الأوروبية الأخرى مثل فرنسا و ألمانيا عام 1991, شارك بها ” عاطف بسيسو” و عمل على تطويرها.
و حتى استشهاد ” عاطف بسيسو” في حزيران في 8 حزيران 1992 لم يجتمع مطلقا مع أجهزة الأمن الإسرائيلية, بل كان ما يزال يخوض حربا سرية لمكافحة نشاط المخابرات الإسرائيلية , و نظرا لان التنسيق الأمني مع إسرائيل جاء بعد اتفاق أوسلو في 13 أيلول 1993, حيث فرضت الاتفاقيات وجود هذا التنسيق مع ” الشاباك” ” المخابرات العامة الإسرائيلية”, و رغم الطلب المتكرر للموساد الإسرائيلي بإقامة تنسيق أمني مع المخابرات الفلسطينية, بقي هذا الطلب مرفوضا و لم تنجح ” الموساد” مطلقا بعقد لقاءات, نظرا لان ” الموساد” المسؤول عن اغتيال رموز أجهزة الأمن الفلسطينية مثل ” أبو اياد” و ” أبو الهول ” و ” فخري العمري-أبو محمد” و ” عاطف بسيسو”, فالحاجز النفسي كبير من الصعب تجاوزه, إضافة إلى شهداء اللجنة المركزية لحركة “فتح” و قائمة طويلة من كوادر منظمة التحرير الفلسطينية قامت ” الموساد” بتصفيتها جسديا..
مكافحة نشاط الموساد:
وضع جهز الأمن الموحد إستراتيجية لمكافحة نشاط الموساد,بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982, على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية و الوطن العربي و العالم فيما يتعلق بنشاطات الموساد الموجهة ضد منظمة التحرير الفلسطينية, و عمل ” عاطف بسيسو” بمهمات متداخلة متشابكة لاعادة ترتيب أوضاع جهاز الأمن الموحد طبقا للمرحلة الجديدة, فاعطى الأهمية و الأولوية لتواجد الجهاز في عدد كبير من دول العالم, نظرا لان دول العالم حيث الجاليات الفلسطينية كانت الخطوط الدفاعية الأمنية الأمامية للنشاط الاستخباري الإسرائيلي , لكن المهمة كانت صعبة على ارض الواقع و بقدر النجاح الذي تحقق كان الإحباط و المرارة..
كان تركيز” عاطف بسيسو” على دول أوروبا, باعتبار أن نشاط الموساد في عمليات التجنيد معظمها يتم في أوروبا, و ركز على متابعة النشاطات الاستخبارية الإسرائيلية بإقامة شبكات اتصال داخل الأرض المحتلة و تابعها من بلدان عربية مجاورة ” دول مواجهة”.
و لانجاح المهمة, فقد احتاج جهاز الأمن الموحد لاقامة علاقات تنسيق أمني مع الدول العربية, رغم أن هذه العلاقات كانت قائمة مع عدد من الدول العربية أثناء وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان, مثل سورية, التي أقامت علاقات تنسيق أمني متميزة مع الأمن الموحد, في مجال مكافحة نشاط الموساد, و لكن الخلافات السياسية لاحقا أعاقت تواصل التنسيق , رغم أن اللقاءات الأمنية استمرت خلال الثمانينات مع قادة الأجهزة الأمنية السورية في دول أوروبا الشرقية و غيرها, بهدف العمل على إنهاء الخلافات السياسية و شارك” عاطف بسيسو” بهذه الاجتماعات في أواخر عام 1985.
في لبنان قدمت سورية تسهيلات كبيرة لجهاز الأمن الموحد في إطار التنسيق الأمني و تحققت إنجازات حقيقية في تلك الفترة..
كان جهاز الأمن الموحد يبادر بحرص كبير لاقامة علاقات تنسيق مع عدد من أجهزة المخابرات العربية لمكافحة نشاط الموساد, و بقي طلب الأمن الموحد بدون موافقة في العراق, حتى بادر العراق في نهاية الثمانينات بطلب إقامة تنسيق أمني, و تمت اتفاقية للتنسيق مع المخابرات العراقية..
لم يكن التنسيق مثاليا مع بعض أجهزة المخابرات العربية, فقد قام الموساد بتجنيد شاب فلسطيني, و قام الشاب بإبلاغ جهاز الأمن الموحد, حيث اشرف ” عاطف بسيسو ” على تشغيله كعميل مزدوج,فطليت المخابرات الإسرائيلية” الموساد ” من الشاب التوجه إلى إحدى الدول العربية التي ارتبطت باتفاقية تنسيق أمني مع جهاز الأمن الموحد, و كان ” عاطف بسيسو” حريصا على معرفة المهام التي سيوكلها ” الموساد ” للشاب في ذلك البلد, و من سيتصل به هناك..
فقام بتوجيه رسالة رسمية إلى مخابرات ذلك البلد العربي حول مهمة الشاب, و طلبت الرسالة تسهيل مهمته باعتباره تحت سيطرة الأمن الموحد..
فور وصول الشاب لذلك البلد بدأت مراقبة استفزازية مكشوفة, فعاد الشاب و اتصل بالأمن الموحد بأنه انكشف و لا داعي لاكمال المهمة, فاضطر الأمن الموحد لرسالة ثانية لضمان خروج الشاب سليما!!
مثل هذه الحادثة كانت خيبة أمل لعاطف بسيسو, و توصل إلى قناعة بان بعض الدول العربية حددت سياسة أمنية بعدم التعرض لنشاط ” الموساد “..
بالمقابل وافقت المخابرات الجزائرية على تشكيل وحدة في أجهزة الأمن الجزائرية لمكافحة النشاط التجسسي الإسرائيلي, خلال عقد الثمانينات, و قد قام ” عاطف بسيسو” بالاتفاق مع المخابرات الجزائرية على تدريب الوحدة من خلال مجموعة من ضباط جهاز الأمن الموحد, و قاموا فعلا بتدريب ضباط المخابرات الجزائرية على أساليب المخابرات الإسرائيلية ” الموساد ” خاصة بعد أن أصبحت الجزائر هدفا للنشاط الاستخباري الإسرائيلي..
في أوروبا نشطت محطات جهاز الأمن الموحد, سواء أوروبا الشرقية أو الغربية لمكافحة النشاط الاستخباري الإسرائيلي, و كانت إحدى ثمرات التنسيق الأمني مع دول أو روبا,بل أن ” عاطف بسيسو” دخل إلى الدوائر الحمراء مجددا, من خلال عملية بحث صعبة, حول تغلغل الموساد في أجهزة الأمن الأوروبية, و بهذا البحث و التحرك وضع يده في طرف ملتهب..
لم يكن أيضا هذا النشاط الواسع, في مكافحة نشاط ” الموساد ” في أو روبا من خلال بوابة التنسيق الأمني, ثم رفض ” أبو اياد ” لاقامة تنسيق أمني مماثل مع الولايات المتحدة الأمريكية ليمر السلام..
فقد أعقب رفض ” أبو اياد” , حملة واضحة تعرض لها جهاز الأمن الموحد, حتى أن ” عاطف بسيسو” جرى توقيفه في إحدى الدول العربية مدة ثمانية ساعات في عام 1987, بسبب ضغط أمريكي واضح.. و جرى توقيفه لدى جهاز مخابرات عربي أقام علاقات تنسيق أمني مع جهاز الأمن الموحد ثم تعثر التنسيق , و أخلى سبيله بهدوء, و لكن الساعات الثمانية لم تكن هادئة على الإطلاق, و كان تهديد ” أبو اياد ” قوبل بإخلاء سبيل عاطف و الاعتذار أيضا..
و رغم مرارة تلك الأحداث, لكن جهاز الأمن الموحد كان متفهما للضغوط التي تمارس و التحريض الإسرائيلي-الأمريكي على جهاز الأمن الموحد..
و على مستوى دول الخليج العربي كان جهاز “الأمن و المعلومات” بقيادة ” أبو الهول” و نائبه ” طارق أبو رجب ” الأكثر علاقات و اتصالات , رغم أن جهاز الأمن الموحد كان لديه علاقات واضحة مع بعض دول الخليج مثل الكويت و كانت آخر زيارة لـ”أبو اياد” لدولة الكويت في أيار 1990 حيث قضى فترة إجازة في منزله بالكويت.
و أثناء زيارات ” أبو اياد” للكويت كان ” عاطف بسيسو” حينها يقوم بزيارة الكويت لمتابعة العمل مع رئيس جهاز الأمن الموحد.
و بقيت علاقات جهاز الأمن الموحد و خاصة ” أبو اياد” و ” عاطف بسيسو” مقطوعة مع دولة عربية حتى استشهادهما بسبب ارث الماضي..رغم بعض الزيارات لـ “أبو اياد”….
اغتيال أبو اياد
كانت علاقة ” عاطف بسيسو” مع ” عاطف ابو بكر” علاقة مميزة و الاتصالات مستمرة قبل انشقاق ” ابو بكر” عن تنظيم ” ابو نضال” في ليبيا كجزء من نشاط ” عاطف بسيسو” الامني على مستوى المنظمات الفلسطينية المتطرفة..
حتى توصل ” ابو بكر” لقناعة بالانشقاق و طلب من ” عاطف بسيسو” المساعدة في الاجراءات اللازمة لذلك, و فعلا تمت العملية بعد ان انضم اليه” عبد الرحمن عيسى”, و ذلك بعد مقتل احد كوادر التنظيم” ابو مصطفى فراس” في ليبيا.
منذ تاسيس تنظيم ابو نضال” فتح –المجلس الثوري” و هذا التنظيم محاط بالالغاز و القضايا التي اثيرت حوله, و بقي الغموض يلف نشاطه حتى بعد صدور كتاب
” باتريك سيل” حول هذا التنظيم” بندقية للايجار” و الذي اضاف اسئلة و هالة جديدة من الغموض مع اصرار تنظيم ” ابو نضال” على عدم التوضيح المقنع, فالقضية لم تكن في العمليات التي نفذتها مجموعات ” ابة نضال” فهي معروفة, و لكن ابعاد هذه العمليات و خيوطها الخفية, و ما ذكره” باتريك سيل” في كتابه بان :” الموساد اتخذ احيانا بعض مجموعات ابو نضال غطاء لعمليات اغتيالات”.
و يضيف مسؤول فلسطيني ملاحظة معروفة ان معظم عمليات ” ابو نضال” استهدف شخصيات فلسطينية, و سجل في هذا المجال اغتيال حوالي ثلاثين كادر و شخصية فلسطينية من منظمة التحرير الفلسطينية, اضافة الى اغتيالات و تفجيرات في بلدان عربية..
و خلال مسيرة”ابو نضال” تعرضت علاقاته مع دول عربية معروفة شكلت قاعدة و حصانة لتنظيمه, تعرضت العلاقات الى الخلافات و القطيعة و تنقلت قواعده بين بلدين اساسيين خلال عقدي السبعينات و الثمانينات, و المثير ان كلا البلدين رفضا التعاون مع جهاز الامن الموحد فيما يتعلق بالملفات السرية لهذا التنظيم حتى ان معسكراته بقيت محجوزة باسم التنظيم لا يتصرف بها احد و كانها تنتظر عودته الميمونة!
تنقل بين بغداد و دمشق قبل ان يدير ظهره اخيرا لكلا البلدين في مقره الجديد بليبيا, مع اواخر ع قد الثمانينات.
لم يحاول ” ابو نضال” اخفاء مسؤوليته عن اغتيال شخصيات فلسطينية مثل د. عصام السرطاوي, و رد تنظيم ” ابو نضال” على التساؤلات التي اثيرت حول توجيه رصاص القاتل الى السرطاوي رغم ان احدى الشخصيات الاسرائيلية كانت بجانب السرطاوي على المنصة, بان القاتل لم تكن لديه تعليمات سوى بقتل شخص واحد فقتله..
و لكن النهاية الماساوية لعملية الاغتيال, انتهت بصفقة مع حكومة البرتغال باطلاق سراح القاتل و نقله بالطائرة الي بلد عربي, بعد ان تراجع الشهود في القضية و خاصة الشاهد الرئيسي الذي تلقى اتصالا هاتفيا من احد كوادر ابو نضال ابلغه رسالة قصيرة تقول:” ابو نضال لدى البوليس البرتغالي مؤكدا لهم انه تشابه عليه الامر..
و كان هنالك اتصال اخر مع الحكومة البرتغالية, فقامت بالافراج عن القاتل.. بالتهديد او بصفقة مع ” الارهاب”.
كان تنظيم ” ابو نضال” يعد المنفذين للعمليات في اوروبا بالافراج عنهم في حال القاء القبض عليهم اما بتهديد تلك الدول, و ان تطلب الامر القيام بعمليات اخرى لضمان الافراج عنهم.. و عملية الافراج عن قاتل ” د. عصام السرطاوي ” نموذج واضح..
كانت قضية انشقاق ” عاطف ابو بكر و عبد الرحمن عيسى ” ربما قصمت ظهر تنظيم ” ابو نضال “, و كانت اخر ضربة يوجهها ” ابو اياد ” للتنظيم, حيث كشف هذا الانشقاق عن قضايا داخلية خطيرة للتنظيم, اشبه بالخرافة, من الاعدامات و القاء الجثث باعمدة بناء العمارات في ليبيا.. ثم اغتيال ابو جهاد.
في 16 نيسان 1988 قامت المخابرات الاسرائيلية ” الموساد “باغتيال ” ابو جهاد” في توني, و بهذا قطعت الطريق على الاستيراتيجية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال الثمانينات و بعد اشهر قليلة من اندلاع الانتفاضة في الاراضي المحتلة في 9 ديسمبر 1987, فسقط احد اعمدة الاستيراتيجية الثلاثية السياسية و العسكرية و الأمنية, التي اعتمدتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية خلال عقد الثمانينات و افقدت اسرائيل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عنصرا هاما اساسيا , لكن المعلومات التي ادلى بها ” عاطف ابو بكر” في تونس بعد الانشقاق, اعادت التساؤلات و دوامة الالغاز حوا تنظيم ابو نضال..
فقد اكد عاطف ابو بكر وجود عضو من تنظيم ” ابو نضال ” شارك بعملية اغتيال ابو جهاد ، فاعتقل عضو التنظيم في ليبيا ثم افرج عنه لوجود شقيقيه في تنظيم ” ابو نضال ” .
” عاطف بسيسو ” لم يكتف بسماع هذه المعلومات بل طلب من ابو بكر ان تسمع ام جهاد ” انتصار الوزير ” بنفسها ، وفعلاً اكد عاطف ابو بكر ذلك بحضور ام جهاد و ” عاطف بسيسو ” . لقد كان تأثير انشقاق عضوي قيادة تنظيم ” ابو نضال ” المسئول الاعلامي عاطف ابو بكر ، والمسئول العسكري والامني عبد الرحمن عيسى ، سيئاً بكشف قضايا وملفات التنظيم .
زيارة أخيرة:
بعد احتلال العراق للكويت في الثاني من آب 1990 ، اختلطت الاوراق في الوطن العربي ، ونشطت الدبلوماسية واجتماعات القمة على مستوى العالم . وتكثفت الاتصالات والتشاور ، والوساطات ولتحركات العسكرية أيضاً ، واصبح الشرق الاوسط على فوهة بركان . وفي ظل هذا الوضع الدولي الخطير ، كان هنالك من يفكر باغتيال ابو اياد وينتظر الفرصة . كانت زيارة ابو اياد للاردن في اواخر كانون الاول 1990 ” زيارة وداع ” . ومكث في عمان اسبوعين ، وتوافد رجال منظمة التحرير الفلسطينية في الاردن ال مقر اقامته . وشارك في احتفال جماهيري والقى كلمة مؤثرة . ولكن احد ضباط جهاز الامن الموحد في عمان استطاع ان ينقل ابو اياد سراً الى الاغوار يوماً كاملاً ، ليستعيد ذكريات معركة الكرامة ، فقضي يوماً مختفياً بسعادة غامرة في منطقة الكرامة والاغوار .. حيث شهدت البدايات المسلحة والتحدي للجيش الاسرائيلي وكسر شوكة ” الجندي الذي لا يقهر ” .
في تلك المرحلة حدثه الضابط بأن هنالك من يرغب بإعادة طباعة كتابه ” فلسطين بلا هوية ” فقال ابو اياد : ” لا مانع لدي وابلغه تحياتي ، لكن بشرط ان لا يعيد نشر فصل ” حرب الاشباح ” !!
بعد ايام غادر الاردن متوجهاً الى تونس ، وكان يتطلع الى استكمال انجاز تحقق على مستوى اجهزة امن منظمة التحرير الفلسطينية ، بتوحيد جهازي الامن الاساسين وهما : جهاز الامن الموحد وجهاز الامن والمعلومات ” الامن المركزي ” .
وكان القرار قد اتخذ على مستوى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، وتم الاتفاق على دمج الجهازين بإطار جهاز واحد برئاسة ” أبو اياد ” ونائبه “ابو الهول ” وفي 14 كانون الثاني 1991 ، توجه مع صديقه المخلص ونائبه في جهاز الامن الموحد ” فخري العمري – ابو محمد ” الى منزل ” هايل عبد الحميد – ابو الهول ” ليلاً ، وكان الرئيس الامريكي السابق جورج بوش قد وجه انذاراً للعراق لانسحاب من الكويت ، في تلك الليلة دخل “حمزة ابو زيد ” احد مرافقي ” ابو الهول ” الى الصالون حيث يجلس القادة الثلاثة ، واطلق النار على “ابو اياد ” فحاول ابو الهول الوقوف فأطلق القاتل الرصاص على رجليه فسقط على الارض ، ارتمى ” ابو محمد العمري ” على ” ابو اياد ” ليحميه ويتلقى الرصاص بظهره .. واستشهد القادة الثلاثة بأيدي عملاء الموساد الاسرائيلي .
بعد اغتيال ” ابو اياد ” قام ” عاطف بسيسو ” بالتحقيق مع القاتل ، ثم نقل ” حمزة ابو زبد ” من تونس الى اليمن بالطائرة ، ولم يكن نادماً على فعلته أثناء نقله بالطائرة .. واستكمل التحقيق مع القاتل في اليمن .. وبقيت حلقات مفقودة في قضية ” حمزة ابو زيد ” وتساؤلات حول الجهة الحقيقية التي اعطته التعليمات باغتيال ” ابو اياد ” .
“عاطف بسيسو ” الاكثر حرفية ، اتخذ قراراً برد الاعتبار لجهاز الامن الموحد والثورة الفلسطينية ، فقد كان اغتيال قائده الذي عمل معه كظله مدة خمسة وعشرون عاماً ، كان صفعه مدمرة نفسياً ومعنوياً بالدرجة الاولى .
ومنذ 14 كانون الثاني 1991 وظف ” عاطف بسبيسو ” كل الامكانيات وشبكة اتصالات جهاز الامن الموحد سراً لجمع المعلومات والخيوط الخفية والتفاصيل ، حتى اكتمل ملف اغتيال “ابو اياد ” .
بعد اغتيال ” ابو اياد ” جاء وزير الداخلية الفرنسي لتونس ، وكان صديقاً شخصياً ل” ابو اياد ” ، وقدم تعازيه والحكومة الفرنسية لقادة منظمة التحرير الفلسطينية وذوي الشهيد .. وقبل ان يغادر تونس عائداً الى باريس ، ترك الوزير الفرنسي مرافقيه الفرنسيين والتونسيين والفلسطينيين واختفى .
وبحثوا عنه فوجدوا الوزير يجلس قرب قبر ” ابو اياد ” يبكي صديقه !! كانت معاني الوفاء والتضحية عظيمة في قضية اغتيال ” ابو اياد ” فنائبه ضحى بحياته ليتلقى بجسده الرصاص ليحمي قائدة ” .
كانت ضربه قاسية اخرى تعرضت لها استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية ، خلال عقد الثمانينات ، بسقوط احد اعمدتها الاساسية ” ابو اياد ” لاضعاف توجهات منظمة التحرير الفلسطينية وحصارها والضغط عليها داخلياً بفقدان رموز مرحلة ما قبل مؤتمر السلام في مدريد .. فجاء دور ” عاطف بسيسو ” لانقاذ الاستراتيجية الامنية الفلسطينية من اانهيار ، فقد كان المحاور واعتمد عليه ” ابو اياد ” نظراً لانه كان لديه نشاطه ومسؤولياته السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية ، بينما كان ” عاطف بسيسو مهيأ لان يكون ناجحاً ، فأرسى ايضاً نمط علاقات الند للند ، وفرض دائماً على محاوريه احتراماً كبيراً لعاطف بسيسو .
لم تكن الحرب التي اعلنها جهاز الامن الموحد على ” الارهاب ” خلال عقد الثمانينات ، حرباً تكتيكية ، بل خاض المعركة حتى نهايتها ، وانفجر الصراع بصورة دموية في نهاية الامر ليتحول ” الارهاب ” الموجه لاوروبا والولايات المتحدة الامريكية الى حرب أعلنها تنظيم ” ابو نضال ” على قيادة جهاز الامن الموحد وتحديداً ” ابو اياد ” و ” عاطف بسيسو ” .
” عاطف بسيسو ” كان ربما الاكثر فهماً ل”ابو نضال ” قبل اغتيال ” ابو اياد ” ولم يكن كراهية شخصية له ، بل كان حزين على ” ابو نضال ” واهتم بالحوار معه لنبذ ” الارهاب ” ، ولم يرغب مطلقاً بأن يخرج الصراع عن اطاره ليدخل في اطار تصفية حسابات وانتقام .
كان ” عاطف بسيسو ” يعتقد ان ” ابو نضال ” يستطيع – انذاك ، نبذ ” الارهاب ” وطوى الصفحة ، ولكنه كان يشعر بالالم نتيجه لاصرار ” ابو نضال ” على خوض الشوط حتى نهايته .
بعد اغتيال ” ابو اياد ” لم يعد مجالاً للحلول الوسط مع ” ابو نضال ” .
انطلاقة مدريد
ما ان وضعت حرب الخليج اوزارها ، حتى انطلقت مبادرة للرئيس الامريكي جورج بوش الاب لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط ووافقت جميع اطراف الصراع على عقد المؤتمر في مدريد في 30 تشرين الاول 1991 . وبعد ان انتهت ترتيبات الوفود المشاركة في مؤتمر مدريد غادرالوفد الفلسطيني برئاسة د. حيدر عبد الشافي من عمان الى مدريد ، وكان توجيه واختيارمنظمة التحرير الفلسطينية للوفد المشارك سريا .. وقبل وصول الوفد ، كان ” عاطف بسيسو ” يشارك رسميا في مدريد باجتماعات الوفود الامنية لكافة الدول المشاركة في مؤتمر مدريد ، كما عقد اجتماعات تنسيق مع اجهزة الامن الاسبانية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع جهازالامن الموحد .
وكان المطلوب ايضا ، تأمين اتصالات اعضاء الوفد مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس اثناء انعقاد المؤتمر واجتماعات خاصة في مدريد بصورة سرية ، وقد استطاع القيام بمهمتة بنجاح كبير حتى طريقة خروج ودخول بعض اغضاء الوفد من ابواب خلفية لاجتماعات مع مسؤولين في منظمة التحريرالفلسطينية والعودة لقاعة الاجتماعات بعيداً عن الاعين ، بتنسيق مع اجهزة الامن الاسبانية.
استغرقت مهمة ” عاطف بسيسو ” في مدريد عشرة ايام ، قبل واثناء انعقاد المؤتمر ، ولعب دوراً بارزاً في هذا المؤتمر انطلاقا من ايمانه بأهمية هذا المؤتمر لتحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني .
على هامش انعقاد المؤتمر ، شارك بالاجتماعات الامنية لوفود الدول المشاركة ، واجتمع رسمياً مع وفد امني من وكالة المخابرات المركزية الامريكية وفتحت البوابة الكبرى ، وكان ذلك الاجتماع الرسمي تتويجاً لاتصالات سابقة ولكن “الموساد” الاسرائيلي بدأ بالعد التنازلي منذ انعقاد المؤتمر والنجاح الذي حققه ” عاطف بسيسو ” .
في قصر الصنوبر :
أثناء انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط ، تواجد وفد فلسطيني سراً مثل عاطف بسيسو ود. نبيل شعت وأكرم هنية ، وغيرهم ، وكانت للوفد مهمات مختلفة امنية مثل عاطف بسيسو وسياسية مثل د. نبيل شعت ، وعمل عاطف بسيسو من خلف الكواليس بالتنسيق مع اجهزة الأمن الاسبانية ، وبالتنسيق مع الوفد السري ايضاً ، دون محاولة الاحتكاك بأعضاء الوفد الفلسطيني المعلن والمشارك بصفة علنية .
واثناء انعقاد المؤتمر وصلت تعليمات من الرئيس “ابو عمار ” برغبته بالاجتماع سراً وخارج اسبانيا مع الوفد المشلرك في المؤتمر ، وقام عاطف بسيسو باجراءات العملية ، وارسل مع د. نبيل شعت رسالة الى اعضاء الوفد ذات مضمون غامض ، شخصية هامة ترغب بلقاء الوفد سراً .
وتجمع اعضاء الوفد الفلسطيني ، دون معرفتهم بالشخصية التي ترغب بالاجتماع معهم او مكان اللقاء ، وكان عاطف بسيسو حريصاً على سرية الموضوع بدرجة قصوى .
وليلاً توجه الوفد مع د. نبيل شعت واكرم هنية خارج منطقة المؤتمر الى مطار صغير في مدريد ، ووجدوا بانتظارهم طائرة خاصة ، وابلغوا آنذاك انهم بالطريق الى الاجتماع مع الرئيس ابو عمار .
وغادرت الطائرة الخاصة الساعة العاشرة ليلاً الى الجزائر ، وهناك توجهوا فوراً الى مقر الصنوبر ، حيث اجتمع الرئيس ابوعمار مع الوفد لمدة ثلاث ساعات بحضور بعض اعضاء قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، وجرى نقاش طويل حول سير اعمال المؤتمر ، وقبل الفجر كانت الطائرة تهبط في المطار الصغير في مدريد ، ليعود اعضاء الوفد الى الاجتماعات بهدوء دون ان يشعر احد بهه الرحلة الليلية السرية ، التي قام بترتيبها عاطف بسيسو، وبعد انتهاء اعمال المؤتمر عاد الوفد الى الاردن .
ويصف د. زكريا الاغا ، العضو المشارك بالمؤتمر ( عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واللجنة المركزية لحركة فتح حالياً اجراءات الرحلة بأنها كانت بغاية الدقة ومثالية بالسرية .
الموساد وعصابات المافيا ..
خطة اغتيال عاطف بسيسو :
خلال شهري نيسان وآيار 1992 ، كانت اجهزة الامن الفلسطينية قد حصلت على معلومات من مصادر امنية مختلفة ومنها دول اوروبا الغربية ، بموجب التنسيق الامني وتبادل المعلومات ، بان الموسساد الاسرائيلي اعد قائمة سوداء لعدد من مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية للاغتيال قبل الانتخابات الاسرائيلية ، وشعر ” ابو عمار” ان اسرائيل تدبر عملية خطيرة في شهر نيسان وتذكر شهداء اللجنة المركزية . فقد نفذت الموساد اغتيال القادة في عملية الفردان وابو جهاد في نيسان . وحاول ابو عمار ان لا يستقر في مكان فقام بزيارات لدول عديدة بهدف تفويت الفرصة على المخابرات الاسرائيلية ، وطلب من مساعديه اخذ الحيطة والحذر خاصة في اوروبا .. ومنهم كان ” عاطف بسيسو ” .
الاحساس الداخلي لابو عمار دفعه للابتعاد فترة عن تونس ، حتى سقطت الطائرة في الصحراء الليبية ” طائرة النجاة ” في نيسان 1992 .
كانت طائرة ابو عمار قد رصدت تحركاتها المخابرات الاسرائيلية حتى سقوطها ، لانها كانت هدفاً أساسياً للموساد . وقد تأكد ذلك بالدليل القاطع بعد الحادث ، عندما قامت اذاعة اسرائيل ببث تسجيل صوتي لنداءات الاستغاثة التي وجهها قائد الطائرة في الصحراء الليبية قبل سقوطها . وقالت اذاعة اسرائيل ان احد الهواة الاسرائيليين قام بتسجيل النداءات !!
طبعاً المسألة واضحة ان يتابع احد ” الهواة ” نداءات طائرة ابو عمار على بعد الاف الاميال باجهزة متطورة لغاية !! والحقيقة ان المخابرات الاسرائيلية تابعت ” الهدف ” حتى سقوط الطائرة .
خلال تلك الفترة كان الاحساس بالموت يسيطر على ” عاطف بسيسو ” فهناك جهتان تتسابقان للوصول اليه ، تنظيم ابو نضال والموساد الاسرائيلي . وكان لديه معلومات حول خطر يتهدد حياته من احدى الجهتين .
وفي منزله بتونس سيطرت اجواء القلق على المنزل ، ولاول مرة ، فاخذ احتياطات امنية مشددة في المنزل فمنع اطفاله من اللعب بحديقة المنزل ، وكان متوتراً على غير عادته . اوصى زوجته باخذ الحيطة والحذر وخاصة اثناء خروجها من المنزل مع الاطفال . استغربت زوجته كل تلك الاجراءات والحذر والتوتر ، فقالت له : لقد كنت في السابق تتعرض لمحاولات اغتيال وتنجو منها .. ما الذي تغير الان ؟
لقد تعرضت في لبنان لمحاولة اغتيال من تدبير الموساد وبواسطة الجاسوسة ” امينة المفتي ” وغير ذلك ، لماذا هذا القلق ؟!
في بيروت كانت الجاسوسة امينة المفتي اختارت السكن في بناية مجاورة لمنزله ، واكتشفها الامن الفلسطيني واعترفت انها كانت ترصد تحركات ” عاطف بسيسو ” لاغتياله على يد الموساد ، وجرى لاحقاً تسليم الجاسوسة لاسرائيل وتمت المبادلة باسرى من منظمة التحرير الفلسطينية وهما : مهدي بسيسو ” ابو علي ” ووليام نصار . تعرض أيضاً لكمين نصبه تنظيم ابو نضال لاغتيال ” عاطف بسيسو ” في عام 1990 في دولة اوروبية ، ونجا عاطف من تلك المحاولة ، بعد انشقاق عاطف ابو بكر وعبد الرحمن عيسى .
قال ” عاطف بسيسو ” لزوجته : ” المرحلة الان خطيرة للغاية .. من يسلم فقد سلم “! تغير سلوكه قبل ان يغادر تونس بفترة وجيزة ، فقد تزايد الاحساس الداخلي بالموت ، فاصبح ياخذ اطفاله معه الى الجبل في تونس ويجلس منفرداً لساعات يفكر .. لاحظ زملائه في الجهاز انه تحول الى اللامبالاة في الاحتياطات الامنية والحذر الذي تعود عليه طوال حياته ، فاصبح يردد : ” لا يمنع حذر من قدر ” .
من الواضح ان مخاوف ” عاطف بسيسو ” لم تكن بسبب التحذيرات التي تلقاها من مصادر مختلفة ، وانما نابعة من احساس داخلي .. لكنه سرعان ما تجاوز ذلك الاحساس وواصل نشاطه في منتصف ايار 1992 ، فقد حدد خط رحلة عمل لعدة دول في العالم ، وكان خط السير : ” تونس – مدريد – هافانا – برلين – باريس – مارسيليا – تونس ” .
اتصل ” عاطف بسيسو ” بعدنان ياسين ، بسفارة فلسطين بتونس ، والذي اكتشف لاحقاً تعاونه مع المخابرات الاسرائيلية ، وكان عادة ما يتولى ضمن نطاق عمله في سفارة فلسطين متابعة الشئون والقضايا الجمركية والتسهيلات التي منحتها الخارجية التونسية لسفارة فلسطين ، وطلب من عدنان ياسين القيام بالاجراءات الجمركية لادخال سيارة الى تونس قادمة بالباخرة من ميناء مرسيليا .
وكان اخ زوجته ديما السبع المقيم في الولايات المتحدة الامريكية قد اتصل بعاطف بسيسو وابلغه بانه سيرسل له سيارة لاندروفر للصيد ، نظراً لمعرفته بهواية ” عاطف بسيسو ” ، فاتفقا على ان يرسل السيارة بالباخرة الى ميناء مرسيليا ، حيث سيقوم ” عاطف بسيسو ” بشحن السيارة الى ميناء تونس .
في فترة سابقة كان عدنان ياسين قد التقى بـ ” عاطف بسيسو ” في باريس في فندق الميريديان اثناء احدى زياراته لفرنسا ، وبعد ذلك كان عدنان ياسين يحاول اسداء أي خدمة لعاطف بسيسو .. ولكن هذه المرة كانت ” خدمة قاتلة ” .. كما ادى خدمة ملغومة لابو مازن ” محمود عباس ” بشحن اثاث مكتبه بعد ان زرعت به الموساد اجهزة تنصت وفي تونس أيضاً قبل ان يكتشف عدنان ياسين وقد زرعت الاجهزة الدقيقة في ظهر المقعد الذي كان يجلس عليه ابو مازن وفي مصباح المكتب الخاص بالقراءة والكتابة .
وبهذا تحدد خط سير ” عاطف بسيسو ” على الاقل في بعض المحطات من خلال خط سير سيارة اللاندروفر من الولايات المتحدة الامريكية حتى وصولها لتونس . وهذا الامر ابقى ، ربما ، ” عاطف بسيسو ” على اتصال مع عدنان ياسين خاصة في المرحلة الثانية والحاسمة من رحلته ، وبعد ان وصلت سيارة اللاندروفر الى المانيا بدلاً من ميناء مرسيليا نظراً لان اخ زوجته لم يجد باخرة آنذاك تصل الى مرسيليا ، فقام بشحن السيارة الى المانيا .
في منتصف ايار 1992 غادر ” عاطف بسيسو ” تونس الى مدريد ، حيث قام بمهمة سريعة ، وواصل رحلته الى كوبا في زيارة رسمية ، بهدف اجراء مباحثات مع اجهزة المخابرات الكوبية ، حول الجالية الفلسطينية في كوبا واستكمال التنسيق بين جهاز الامن الموحد والمخابرات الكوبية بشان مكافحة النشاط الاستخباري الاسرائيلي في امريكيا اللاتينية . كما قام اثناء زيارته التي استغرقت عشرة ايام بمهمات خاصة تتعلق بتواجد ونشاط جهاز الامن الموحد في كوبا وبعض مناطق امريكيا اللاتينية ومتابعة دورات امنية لعدد من الضباط في كوبا .
خلال اقامته في كوبا اتصل ” عاطف بسيسو ” بزوجته مرات قليلة ، نظراً لصعوبة الاتصال من كوبا .
معلومات في يوغسلافيا :
كان جهاز الامن والمعلومات ” الامن المركزي ” والذي كان يترأسه الشهيد هايل عبد الحميد ” ابو الهول ” ، ومنذ اغتياله في 14 كانون الثاني 1991 ، تولى الاشراف على الجهاز طارق ابو رجب ، والذي تربطه بعاطف بسيسو علاقة نضالية ومودة معروفة على مستوى جهازي الامن الموحد للامن المركزي ، لعبت دوراً هاماً في تحقيق خطوة استراتيجية بدأ بها قادة الجهازين الشهداء ، وتحولت المسئولية الكبيرة الى قيادات امنية ذات كفاءة عالية ” امين الهندي ، طارق ابو رجب ، عاطف بسيسو ” ، شكلوا بعد 14 يناير 1991 وحدة قيادية واحدة .
كان جهاز الامن والمعلومات قد ركز جهوده في اوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية ، على متابعة نشاط الموساد الاسرائيلي ، وفي يوغسلافيا كان ضابط الامن والمعلومات تميز بالذكاء الحاد والشجاعة وحظيت قدراته بتقدير المسئولين في منظمة التحرير الفلسطينية ، وبعد مطاردة الولايات المتحدة الامريكية لابو العباس بعد عملية اكيلي لاورو ، استطاع ان يقوم بتهريب ابو العباس من يوغسلافيا رغم الرقابة التي تكثفت حول مقر اقامته في براغ عندما استخدم ” بدائل ” وماكياج واشخاص اعدهم بشبه كبير مع ابو العباس وغادروا المقر المشتبه به بموكب يستخدمه ابو العباس عادة لصرف الرقابة ، ثم اكتشفت الرقابة انهم اشخاص عاديون .
اما ابو العباس الحقيقي فقد غادر برفقة ضابط الامن الفلسطيني فقط وبسيارة اجرة عادية … الى المطار .
قبل 25 يوماً من اغتيال ” عاطف بسيسو ” حصل الضابط على معلومات محددة بان الموساد الاسرائيلي قرر اغتيال ” عاطف بسيسو ” في باريس او تونس والشخصية الثانية كانت امين الهندي الذي خضع لمراقبة الموساد كهدف ثاني .
وقام الضابط بابلاغ قيادة جهاز الامن والمعلومات في تونس ليلاً باتصال هاتفي عند الساعة الثالثة فجراً مع طارق ابو رجب .
كان ” عاطف بسيسو ” قد غادر الى كوبا ، رغم ان المعلومات لم تكن جديدة ، على المعلومات التي توفرت لجهاز الامن الموحد قبل سفر ” عاطف بسيسو ” ولكنها كانت تحمل تفاصيل دقيقة ، وطلبت استفسارات من ضابط الامن وقدم اجابات عليها حول المصدر .. او المصادر !
عصابات المافيا :
بعد ان قام الموساد بمحاولة اغتيال ابو حسن سلامة قائد القوة ” 17 ” في النرويج ، وقتل عن طريق الخطأ عامل مغربي يدعى احمد بوشيكي ، حيث القت قوات الامن النرويجية القبض على مجموعة من ضباط الموساد الاسرائيلي وتسببت ذلك العملية الفاشلة في منتصف عقد السبعينيات بازمة دبلوماسية بين النرويج واسرائيل . تحاول الموساد بعد ذلك استخدام عناصرها وضباطها في عمليات الاغتيالات بطريقة مباشرة ، في اوروبا ، واعتمدت لتنفيذ اهدافها على عصابات المافيا والقتلة المحترفين في اوروبا . اما ضابط الموساد الذي كان يكلف هؤلاء القتلة بالتنفيذ مقابل مبالغ مالية كبيرة ، كان عادة يعمل في العصابات المعروفة لابعاد أي خيوط تصل الى الجهة الحقيقية .. وهي الموساد ..
وفي عام 1979 قامت المخابرات الاسرائيلية ” الموساد ” باغتيال زهير محسن الامين العام لمنظمة الصاعقة الفلسطينية في فرنسا ، ونفذ عملية الاغتيال قاتل الماني محترف معروف لدى البوليس الفرنسي .
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ، اندلعت الحرب الاهلية في يوغسلافيا ، ولجأ عدد كبير من العرب اليوغسلافيين الى فرنسا ودول اوروبية اخرى .
وفي باريس ومنذ سنوات طويلة ، كان للصرب اليوغسلافيين تواجد هام في فرنسا ، قبل الحرب الاهلية أيضاً ، واحترف عدد كبير منهم مهمنة المرافقة BODY GARDE واسسوا شركة عريقة في باريس للمرافقة باشراف فرنسي .
كما عمل جزء آخر في شركات ” البوليس السري الخاص ” . واعتمدت هذه الشركات الفرنسية على اليوغسلافيين المقيمين في فرنسا ، وتدربوا على الامن لدرجة الاحتراف . عدد اخر منهم شاركوا في عصابات المافيا للقتل والجرائم المختلفة ، وهنالك اصبح في باريس عصابات يوغسلافية من العرب معروفة تحترف الاجرام والقتل مدفوع الاجر ، ولكل عصابة يوجد زعيم يعمل معهم بصورة خفية او علنية لدى افراد العصابة .
بعد اندلاع الحرب الاهلية اتجهت مجموعات من الصرب الى فرنسا من اجل شراء الاسلحة من السوق السوداء لاستخدامها في الحرب الاهلية في يوغسلافيا ، وكان لهذه المجموعات اتصالات وتنسيق مع الموساد الاسرائيلي الذي ساعدهم في شراء اسلحة احتاجوها في الحرب .
اهتم الموساد بتقديم خدمات للصرب خلال الحرب الاهلية ، ضمن الاهتمامات الاسرائيلية باوروبا الشرقية وسعى الموساد من خلال العصابات اليوغسلافية الى شراء الزئبق الاحمر ودفع مبالغ ضخمة لشراء بضعة كيلو غرامات ، لاستخدامها في الصناعة النووية الاسرائيلية وحتى لا يذهب ” الزئبق الاحمر ” لبعض الدول العربية خاصة العراق .
اقام الموساد الاسرائيلي محطات سرية في اوروبا الشرقية ، خاصة محطة اساسية في ” هنجاريا ” باشراف يهودي يدعى ” موريس ” .
كانت المخابرات اليوغسلافية بعد الحرب الاهلية ، ضعيفة ولم يكن لديها اهتماماتها الخارجية ونشاطاتها السابقة قبل الحرب الاهلية ، ولكنها كان لديها نشاطها الواسع على مستوى اليوغسلافيين داخل يوغسلافيا وخارجها ، ولا سيما في باريس .
ورغم حالة الانهيار فقد رفضت المخابرات اليوغسلافية ” امن الدولة اليوغسلافي D.B. التنسيق مع الموساد الاسرائيلي ، باعتبار ان قيادات الجهاز ابناء الثورة ورفضوا اقامة علاقات تنسيق مع الموساد ، ولبعض القضايا المحددة اقيم اتصال غير مباشر عن طريق النمسا فقط .
بالمقابل كانت اجهزة الامن الفلسطينية تتابع نشاطات الموساد عن قرب ، وهذه النشاطات على مستوى يوغسلافيا كانت جزءاً من نشاطات الموساد السرية في اماكن مختلفة في العالم والتي كان ” جهاز الامن الموحد ” يعمل على مكافحتها من خلال نشاط ” عاطف بسيسو ” وهي نشاطات سرية اسرائيلية تستحق التوقف عندها طويلاً .. وقد استطاع جهاز الامن والمعلومات تحديد نوايا الموساد الاسرائيلي بدقة قبل خمسة وعشرون يوماً من اغتيال ” عاطف بسيسو ” ، وكان الموساد خلال الاشهر السابقة قد بدأ يرسم سيناريو الاغتيال ، وبعد عرض صورة ” عاطف بسيسو ” على القتلة والاتفاق معهم على التفاصيل مالياً وخطة التنفيذ ، لم يعرف القتلة اسم الشخص المطلوب اغتياله ، ولكن هنالك من تعرف على صورته قبل تنفيذ العملية .. وبعد ان اشيع لاحقاً في اوساط امنية ، وتمت عملية ربط المعلومات حول مصدر تسريب المعلومات بخصوص اغتيال ” عاطف بسيسو ” حاول الموساد اختطاف ضابط الامن الفلسطيني في يوغسلافيا بنصب كمين له وافلت منهم وكان ذلك بعد اغتيال عاطف بسيسو ” .
خلال الاشهر التي سبقت اغتياله ، كانت المخابرات الاسرائيلية الموساد قد احكمت الطوق حول ” عاطف بسيسو ” ووضعت خطط الاغتيال في باريس او في تونس في حالة تعذر التنفيذ في باريس لعدم زيارته لها مثلاً .. رغم حذره الدائم وحرصه ، ولكن بالمقابل كان جهاز الموساد بامكاناته الضخمة يحاصر ” عاطف بسيسو ” .
تقول صحيفة معاريف بتاريخ 9/6/1992 : “وعلى عكس رؤساء التنظيم ابتعد “عاطف بسيسو ” .
ذكر اسمه في جميع وسائل الاعلام ولم يكثر من حب الظهور ، حيث كان مكلفاً بامن الدبلوماسيين التابعين لمظمة التحرير الفلسطينية .. نفذ ذلك بصفة دائمة مرسلون من طرفه الا في عمليات خاصة حيث سافر بنفسه للتنسيق ، وكان ذلك دائماً بشكل سري للغاية ،ودائماً باسماء مستعارة كما هو الحال في سفرته الاخيرة لباريس .
بعد اغتيال خليل الوزير ” ابو جهاد ” كان عاطف بسيسو وراء جميع المطالبات لتشديد الحراسة على رجال منظمة التحرير الفلسطينية البارزين في كل مكان في العالم ، وحتى في الدول العربية ، وقد امر جميع البارزين في منظمة التحرير الفلسطينية القادمين الى تونس بعدم النزول في الفنادق حتى لا يكونوا مكشوفين حتى لدوائر الاستقبال .وفي السنتين الاخيرتين اعلن ” عاطف بسيسو ” لرؤساء التنظيم ان عليهم تمليك بعض البيوت الفاخرة في ضواحي تونس لاستقبال واستضافة القياديين القادمين من اماكن مختلفة في العالم ، واصبح يتم استقبال الشخصيات الفلسطينية البارزة واستضافتهم من سلم الطائرة الى هذه البيوت والمسؤولين عن حراستهم هم رجال القوة “17″ الذين تحولوا لوحدة كبيرة قائمة بحد ذاتها .
الاجراءات التي كان يقوم بها ” عاطف بسيسو ” تعتبر اجراءات امنية مثالية ، ولكن زيارة برلين كانت محطته الاخيرة قبل رحلة الموت الى باريس .. ففي نهاية ايار 1992 وصل ” عاطف بسيسو ” الى برلين ونظراً لكثرة زياراته الى برلين والتي اصبحت في مرحلة الثمانينات محطة رئيسية وامنة لجهاز الامن الموحد ، وحتى يضمن سرية زيارته ، فقد كان لديه منزل سري في برلين الشرقية قريب من الكسندر بلادز في مركز العاصمة ، وقد استأجر جهاز الامن الموحد هذا المنزل لاستخدامه لاغراض زيارات كبار المسؤولين في الجهاز .
وكانت برلين المركز الرئيسي الذي ينطلق منه ” عاطف بسيسو ” لكل اوروبا الشرقية ” .
موعد مع الموت في باريس
خضعت المعلومات التي وصلت لجهازي الأمن والمعلومات والأمن الموحد للبحث والدراسة في تونس وجرت اتصالات مكثفة على مستوى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية،أثناء وجود “عاطف بسيسو” في كوبا وتابع “حكم بلعاوي”عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والسفير الفلسطيني في تونس،عملية البحث أيضا في مدى دقة المعلومات،ووصلت القيادة السياسية والأمنية لقناعة بجدية الخطر الذي يتهدد “عاطف بسيسو”.فالمجموعات اليوغسلافية في باريس كانت مخترقة أيضا من قبل المخابرات اليوغسلافية،ولكن مصادر”جهاز الأمن والمعلومات”كانت موثوقة بدرجة عالية جدا،وتحددت مناطق الخطر الأولى”باريس أو تونس”لعاطف بسيسو أولا ثم أمين الهندي ثانيا.وبعد عدة أيام من وصوله إلى ألمانيا،قام”أمين الهندي”بزيارة سرية إلى ألمانيا،واجتمع مع”عاطف بسيسو”سرا في إحدى المدن الألمانية،وأبلغه بالتفاصيل وطلب منه العودة فورا إلى تونس أو السفر إلى السودان والاختفاء لفترة ما حتى تهدأ الأمور،رفض”عاطف بسيسو”أن يرافقه في رحلة العودة،وأبلغه أن سيبقى في ألمانيا لبضعة أيام يكمل مهمته وأن رحلته إلى باريس ليست مؤكدة نظرا لأن الموعد لم يتحدد بعد من مسؤول المخابرات الفرنسية”فقد تأجل هذا الموعد سابقا عدة مرات ..كانت سيارة”اللاندروفر”ـ شيفروليه 4×4 ـ قد وصلت إلى ألمانيا من الولايات المتحدة الأمريكية وتسلمها”عاطف بسيسو”وأبلغه أنه سيسافر بالسيارة برا من برلين إلى مرسيليا لشحن السيارة إلى ميناء تونس.خلال وجوده في برلين كان ينطلق في رحلات بالسيارة،وكان شجاعا يفضل السفر بالبر،مثابر لديه قدرة غير عادية على تحمل قيادة السيارة لرحلات طويلة،وفي إحدى المرات خرج من برلين العاشرة صباحا بالسيارة وعاد إلى الرابعة فجر اليوم التالي،وكان يسافر إلى تشيكو سلوفاكيا وبولونيا لمتابعة نشاط وأعمال جهاز الأمن الموحد ..باقي الأيام قضاها في المنزل،يمارس أعماله مع ضباط الأمن الموحد في ألمانيا،وفي 3 حزيران 1992 اتصل به هاتفيا من تونس”طارق أبو رجب”مسئول جهاز الأمن والمعلومات.وأكد له مجددا أنه مستهدف من”الموساد”وعليه أن يعود لتونس فورا ويقطع زيارته لألمانيا وأن لا يصل إلى باريس..في مساء ذلك اليوم اتصل به”عبد الله الإفرنجي”ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في ألمانيا وأبلغه أن د.حيدر عبد الشافي سيصل مطار برلين قادما من هامبورغ.
طلب”عاطف بسيسو”في مساعديه الذهاب إلى مطار برلين لاستقبال د.حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني لمؤتمر مدريد،وبقي في المنزل ولم يتوجه إلى المطار،بسبب التحذيرات التي تلقاها من”أمين الهندي”و”طارق أبو رجب”..وكان د.حيدر عبد الشافي قد وصل إلى ألمانيا بزيارة تلبية لدعوة من”الحزب الاشتراكي الألماني”،واستغرقت الزيارة مدة أربعة أيام في بون ثم أكمل رحلته إلى هامبورغ وبرلين قبل أن يعود إلى قطاع غزة. في مساء ذلك اليوم قام”عبد الله الإفرنجي”ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في ألمانيا بدعوة د.حيدر عبد الشافي لطعام العشاء في مطعم ياسمين في برلين،بحضور بعض مسئولي مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في ألمانيا،وعاطف بسيسو والعقيد محمد حجازي ضابط الأمن الموحد في ألمانيا،وكان هنالك المرافقين الألمان من الحزب الاشتراكي الذين جاءوا مع د.حيدر عبد الشافي،وجلسوا جميعا في صالة مفتوحة للمطعم في الهواء الطلق حتى منتصف الليل..ودار حديث طويل حول سير المفاوضات ونتائج مؤتمر مدريد للسلام وبعد انتهاء عشاء العمل،وانصراف الحضور،طلب”عاطف بسيسو”من العقيد محمد حجازي الانتظار،كان قلقا متوترا،لكن أحدا من الحضور تلك الليلة لم يشعر ولم يلاحظ أي منهم حجم الخطر الذي يتهدد”عاطف بسيسو”وكعادته كان يتجنب الحديث عن نفسه،مما أكسبه محبة الجميع واحترامهم ،من أيده في الرأي ومن خالفه ،فلم يجعل من تلك المسألة والخطر الجسيم الذي يتهدد حياته وكل التحذيرات التي تلقاها،لم يجعل منها قضية يتغنى بها،وعند الحاجة العملية للحديث عنها كان يتردد لدرجة الخجل،بتواضع مشهود،رغم إدراكه الواعي بجدية الخطر والمعلومات،فسأل “محمد حجازي”بقوله: ما رأيك”هل تعتقد بوجود خطر حقيقي؟
قال محمد حجازي :أري أن تقطع زيارتك وتعود لتونس فورا..الخطر قائم وجدي..
وبعد سنوات سألت د.حيد عبد الشافي حل لاحظ في تلك الجلسة أي مظاهر قلق أو خوف على”عاطف بسيسو”،فنفى بشكل قاطع وأكد أنه كان خلال الجلسة طبيعيا ولم يشعر أحدا من الحضور مطلقا أي قلق ظاهر عليه..وذهل د.حيدر عبد الشافي عندما علم سبب عدم استقبال”عاطف بسيسو” له في المطار وما دار آنذاك من تحذيرات وقال:لم أتصور أن يحافظ “عاطف بسيسو”على هدوئه واتزانه رغم كل هذا..فقد عرفته طفلا في غزة عندما كنت طبيب العائلة،ثم إلتقيته بعد ذلك في ألمانيا..في صباح اليوم التالي،قام”عاطف بسيسو”بإيصال د.حيدر عبد الشافي بسيارته إلى مطار برلين وكان في وداعه وهو يغادر ألمانيا..،في نفس اليوم،اجتمع”عاطف بسيسو”مع جهاز المخابرات الألماني،وقبل الاجتماع طلب من محمد حجازي”إثارة موضوع المعلومات حول نوايا الموساد باغتياله ..وفعلا تحدث حجازي عن ذلك في الاجتماع،فافزع مسئولي المخابرات الألمانية لسماع هذه المعلومات،وأكدوا أنه لا معلومات لديهم حول هذا الموضوع،وكان خوفهم أن تحصل مثل هذه العملية على أراضيهم،وربما قامت المخابرات الألمانية بالاستفسار من المخابرات الإسرائيلية،وقد تكون ألمانيا حذرت إسرائيل من قيامها بعملية كهذه على الأراضي الألمانية،وهذا الإجراء طبيعي أن تقوم به ألمانيا في حالات كهذه .بعد يومين بدأت مخاوف”عاطف بسيسو”تقل بوضوح،وربما أبلغته المخابرات الألمانية رسالة تطمينية.،اصطحب معه أحد ضباط الأمن المقيمين في ألمانيا،وأخذ يتمشى معه في الشارع المركزي في برلين،قال”عاطف بسيسو”:لماذا أشعر بالراحة في ألمانيا،وعادة بعد أن أكمل عملي أمكث عدة أيام إضافية،بينما لا أشعر بالراحة في باريس وأسافر عادة فورا بعد انتهاء عملي.،قال الضابط الشاب:ربما لوجود عدد من ضباط الجهاز في ألمانيا أكثر من باريس .. حتى أثناء تمشيه في الشارع كان حذرا ، فقد كان يحب السرية التامة في أي مهمة مهما كانت صغيرة،الحذر كان يخف قليلا خلال التسوق،أما خلال المهمات الأمنية كان حذرا جدا..طوال حياته العملية اتبع أسلوبا حذرا للغاية،وبقي يحافظ على تلك العادات الأمنية،فقد كان يلغي موعدا و يتعمد عدم الذهاب إليه لو لاحظ مسألة تافهة،وأغضبت أحيانا بعض أصدقائه بهذا السلوك،منذ خروجه من المنزل كان يلاحظ كل شئ،أي شخص يسير في الشارع،أي سيارة،حتى يصل للمكان المطلوب وقبل أن يتوجه حتى لمنزل أحد أصدقائه كان يلاحظ كل شئ أمام المنزل،ولو سأله أحدهم لأعاد عليه كل شئ صادفه في الطريق،بدقة ملاحظة قوية تعود عليها،وبرر ذلك قائلا ذات مرة لأحد أصدقائه:”لو لم أفعل هذا منذ سنوات طويلة لقتلت منذ زمن طويل”لم يستخف”عاطف بسيسو”بالتحذيرات التي وصلته من أجهزة الأمن الفلسطينية،ولكن الخطأ القاتل الذي أنجح مهمة”الموساد”،كانت تطمينات أجهزة الأمن الأوروبية وخاصة ألمانيا وفرنسا،فالموساد لا يحتاج لضوء أخضر لينفذ عملية اغتياله من أجهزة أمن أوروبا،كانت ألمانيا حازمة في عدم حصول عملية كهذه على أراضيها،لكن خارج الأراضي الألمانية تصبح المسألة من اختصاص وسياسة أمنية لدولة أوروبية أخرى.لذلك كان تركيز”عاطف بسيسو”على الموقف الرسمي لأجهزة الأمن الأوروبية تجاه عملية الاغتيال سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بقنوات عديدة،لأن المخابرات الأوروبية لا تعطي ضوءا أخضر للموساد بتنفيذ مثل هذه العمليات،بشكل رسمي ولكن يبقى هنالك عوامل أساسية أخرى منها:الحسابات الإسرائيلية الخاصة بها،وتواطؤ من داخل المؤسسات الأمنية الأوروبية بتعاون معلوماتي القيام بدور ” تستر” لاحقا لاحتواء آثار العملية،وهذا ضمنته الموساد سلفا في باريس”ولم تستطع مطلقا تنفيذ عملية الاغتيال والتخطيط لها قبل أشهر،لتنفيذها في باريس تحديدا لو لم تضمن العوامل المذكورة.و كان أمام”الموساد”الخيار الثاني في تونس والأقل إحراجا لإسرائيل نظرا لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين تونس وإسرائيل.،لكن اختيار باريس كان له أسباب خاصة أيضا،فضلتها على تونس ..
في باريس الموعد القاتل:
في نهاية زيارته لبرلين،كان عاطف بسيسو على اتصال مع المخابرات الفرنسية بانتظار تحديد موعد مع جنرال فرنسي من أجهزة المخابرات الفرنسية،وبقي في برلين مترددا بالسفر إلى باريس،أو الانطلاق بالسيارة مباشرة من الحدود”الألمانية ـ الفرنسية إلى مرسيليا”،وفي يوم الجمعة 5 حزيران 1992 ،تحدد الموعد أخيرا،مع الجنرال”فيليب روندو” مستشار وزير الدفاع الفرنسي”بيار جوكس”وكان الموعد يوم الاثنين 8 حزيران 1992 الساعة العاشرة صباحا في باريس،وكان هذا الموعد القاتل”قد تأجل لثلاث مرات منذ آذار 1992،قبل أن يتحدد أخيرا..،في مساء ذلك اليوم اتصل هاتفيا بزوجته”ديما”من برلين وأكد لها أنه متوجه إلى باريس،وأن زيارته للعاصمة الفرنسية قد تأكدت أخيرا،حيث سيغادرها الاثنين بعد الاجتماع مباشرة.. بعد المكالمة الهاتفية غادر سرا إلى وارسو وعاد فجر يوم السبت وفي صباح يوم السبت 6 حزيران،تلقى مكالمة هاتفية من باريس،من الصحفي اللبناني”سهيل راشد”،صديقه والذي كان يلتقي به باستمرار أثناء زياراته لباريس،منذ أن تعرف عليه في عام1987 ..و كان”سهيل راشد “سبق أن زار ألمانيا برفقة”عاطف بسيسو”في عام 1991 ،عندما كان”بسيسو”لديه موعد لاجتماع في برلين مع مسؤولين من المخابرات المركزية الأمريكية.بعد أن تقررت زيارة”عاطف بسيسو”لباريس،أجرى اتصالات أخرى مع سفارة موريتانيا في باريس،حيث قامت بحجز غرفة له في فندق”ميريديان”باسم دبلوماسي عيني”عاطف أحمد سالم”،حيث كان يحمل جواز سفر عيني دبلوماسي باسم مختلف عن اسمه الحقيقي.،في صباح ذلك اليوم السبت،غادر برلين بسيارته”لاندروفر شيفروليه”التي أرسلها له أخ زوجته من الولايات المتحدة الأمريكية،متجها إلى الحدود الفرنسية وصل ليلا إلى الحدود الألمانية ـ الفرنسية،حيث قضى الليل في فندق قريب من الحدود الألمانية ـ الفرنسية..وقبل أن يكمل رحلته صباحا بالسيارة باتجاه باريس،اتصل هاتفيا بتونس مساء ،ليتحدث مع زوجته وأطفاله فلم يجدهم في المنزل،وكان قلقا على أطفاله من تعرضهم لأي خطر،فاتصل هاتفيا مع منزل”معين بسيسو”في تونس وسأل أقاربه عن زوجته وأطفاله،فأكدوا أنهم بخير،وأن زوجته”ديما”خرجت مع أطفالها لقضاء بعض الوقت لدى أصدقاء لهم في تونس..وفي وقت متأخر من الليلة ذاتها،اتصل من نفس الفندق المقيم به على الحدود،وتحدث مع زوجته.
حركة غير عادية:
في صباح يوم الأحد 7 حزيران انطلق بسيارته من الحدود الألمانية ـ الفرنسية،باتجاه باريس،ووصل إلى فندق”ميريديان”في حي”مونبارناس”على الضفاف اليسرى لنهر السين،عند الساعة السادسة مساء.،بعد وصوله للفندق،أجرى اتصاله الهاتفي الأخير مع زوجته”ديما”في تونس،وقال لها:”وجدتهم قد استأجروا لي غرفة في الفندق،مثل القبر..صغيرة في نهاية الممر ولا يوجد منفذ..على كل حال سأسافر غدا.. كلها ليلة واحدة “وطلب من زوجته أن تحجز في فندق بمدينة “سوسة بتونس خلال عطلة عيد الأضحى,وكان العيد بعد أيام من تلك المكالمة..،اتصل هاتفيا بالصحفي اللبناني”سهيل راشد”الذي جاءه إلى الغرفة في الفندق ومكثا قليلا ثم نزلا بالمصعد،وبعد أن فتح المصعد في قاعة الصالون بالفندق،كان رجل يجلس وأخذ يحدق في”عاطف بسيسو”بشكل غير عادي،فلفت انتباه عاطف فقال سهيل: دعنا نتصل بالفرنسيين لإبلاغهم..،نزلا إلى جراج السيارات تحت الأرض في الفندق،لجلب بعض الحقائب والأشياء مثل لوازم الصيد،رصاص صيد،وسيجار،لأن السيارة لم تكن آمنة نوافذها بلاستيك مفتوحة.،لاحظ “عاطف بسيسو”أيضا وجود سيارة في الجراج بها ثلاثة أشخاص بوضع مريب،ثم لاحظ سيارة أجرة “تاكسي تلف في المكان “،كما لم يلاحظ أحد وجود عدنان ياسين في نفس الفندق..،كانت حركة مريبة وأجواء غير عادية في الفندق،فرجعا إلى الغرفة ومعهما الحقائب ،ثم اتصل”عاطف بسيسو”بفاطمة بيضون,وانتظرا في الغرفة حتى وصلت ” فاطمة بيضون”،ثم انطلقوا جميعا لتناول طعام العشاء في مطعم مكسيكي في حارة شبه مظلمة في باريس،حيث وجدوا بالصدفة رضوان أبو عياش في المطعم،وجلسوا ولكن رضوان أبو عياش لم يشعر مطلقا بما يدور حوله..،أثناء وجودهم في المطعم،أصر”سهيل راشد”على الاتصال بالمخابرات الفرنسية لإبلاغهم بوجود خطر يتهدد حياة “عاطف بسيسو”وطلب حماية منهم”،وفعلا قام،اتصل هاتفيا،وجاء الرد غريبا جدا.. بأن اليوم عطلة نهاية الأسبوع ومن الصعب تأمين الحماية،لكن غدا صباحا عند الساعة السابعة سيكلف فريق من الأمن الفرنسي بحماية “عاطف بسيسو”،في الفندق..،وطلبوا من سهيل أن يأخذ “عاطف بسيسو”معه إلى منزله لينام معه،وأن لا ينام في الفندق حتى تصل الحماية”،عاد”سهيل راشد”وأبلغ “عاطف بسيسو”برد الأجهزة الأمنية الفرنسية،وطلب منه أن يذهب معه إلى منزله،فرفض”عاطف بسيسو” ذلك ، وربما اعتقد أن تلك المكالمة كافية للفت انتباه أجهزة الأمن الفرنسية لهذا الموضوع..،عادة كان”عاطف بسيسو”يصل إلى باريس جوا بالطائرة وتقوم أجهزة الأمن الفرنسية بوضع حراسة خاصة عند استقباله في المطار،هذه المرات كانت مختلفة،حيث كانت في استقباله على الحدود الفرنسية ـ الألمانية فريق مراقبة من الموساد يتكون من خمس أشخاص تولى متابعة إلى الفندق ..،وحتى عندما تم إبلاغ أجهزة الأمن الفرنسية بوجود خطر يتهدد حياة “عاطف بسيسو”رفضوا وضع حماية أو القيام بإجراءات جدية،وفي دولة كفرنسا،يتم القيام بمثل هذه الحماية خلال دقائق فقط.،اتضحت ملامح التواطؤ من داخل أجهزة الأمن الفرنسية،وبدأ العد التنازلي لاغتيال “عاطف بسيسو”..
اغتيال تحت الأضواء الكاشفة
بعد منتصف الليل بقليل عاد ” عاطف بسيسو” إلى الفندق ، و كان جالسا بجانب ” سهيل راشد” الذي كان يقود السيارة و في المقعد الخلفي كانت تجلس ” فاطمة بيضون” ، توقفت السيارة أمام بوابة الفندق الرئيسية ، و نزل ” عاطف بسيسو” من السيارة ، و انحنى محاولا ثني المقعد حتى تنزل ” فاطمة بيضون ” لتركب في المقعد الأمامي بجانب ” سهيل راشد”..
في تلك الأثناء كان رجلين بملامح أوروبية ، شعرهما قصير ، يرتديان ملابس رياضية ، جالسين على درج مؤدي إلى ” نايت كلوب”..
كان ” عاطف بسيسو” منحنيا فتقدم الرجلان ، و أحدهما يحمل حقيبة على ظهره ، و لم يشاهدا وجه عاطف بسيسو فتقدم أحدهما من الخلف ، و أمسك بشعره و دفعه بقوة إلى مقدمة السيارة ، ووقف الآخر يشهر مسدسا على فاطمة وسهيل ، عندما حاولت فاطمة بيضون الصراخ..
وفورا أخرج القاتل مسدسا مزود بكاتم صوت، و كان المسدس مربوط بكيس بلاستيكي ، و أطلق ثلاث رصاصات على رأس ” عاطف بسيسو” و من مسافة قريبة جدا ، ووقعت الرصاصات الفارغة في الكيس..
و بعد أن أنهى القاتل مهمته ألصق على سترة ” عاطف بسيسو” جهاز إرسال لا سلكي و تصادف مرور سيدة فرنسية عجوز فصرخت ، فانسحب الرجلان و هما يوجهان مسدساتهما إلى المارة لإسكاتهم..
هرب القاتلان خلف الفندق إلى شبه جسر كممر يؤدي إلى الشارع حيث كان في انتظارهما سيارة حملتهما بعيدا..
أسرعت فاطمة بيضون إلى داخل الفندق و اتصلت بممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس إبراهيم الصوص، كما اتصلت بمسؤول فلسطيني آخر و أبلغتها بالحادث ، و أرسل الخبر فورا إلى “أبو عمار” حيث كان في الأردن يتلقى العلاج بسبب حادث سقوط الطائرة ، و كان رده فورا: المخابرات الإسرائيلية قتلت عاطف”.. و كان تعليق ” أبو عمار” نتيجة للمعلومات و التحذيرات التي وصلت لمنظمة التحرير الفلسطينية و تداولتها أجهزة الأمن الفلسطينية ، فكانت الجهة التي تقف خلف الحادث معروفة..
لم يكن ” إبراهيم الصوص” على علم بزيارة ” عاطف بسيسو” لباريس و لم يقم بإبلاغ الصوص أيضا عن موعده مع المسؤولين في المخابرات الفرنسية أو بشأن الزيارة ، بينما كان ” أبو إياد” يحرص باستمرار على التنسيق مع ” إبراهيم الصوص” بشأن أي زيارة كان يقوم بها لفرنسا ، وكان اغتيال ” عاطف بسيسو” الضربة القوية الثانية التي تلقاها جهاز الأمن الموحد بعد اغتيال ” أبو إياد”..
أبو نضال:
صدر أول بيان حول اغتيال ” عاطف بسيسو” أذاعته فورا إذاعة إسرائيل و تناقلته بعض الإذاعات العربية مثل ” مونت كار لو” ادعت فيه إذاعة إسرائيل أنه صادر عن جماعة ” أبو نضال” و لكن قراءة البيان تؤكد أنه بيان موسوس مزور يختلف كليا عن البيانات التي يصدرها تنظيم أبو نضال.
و بعد صدور هذا البيان ، عقد ” وليد خالد” الناطق الرسمي لتنظيم ” أبو نضال ” مؤتمرا صحفيا ، نفى فيه تماما أي علاقة لتنظيم ” فتح” المجلس الثوري ” بعملية اغتيال ” عاطف بسيسو”..
حركة كاخ:
ثم ظهر عدد من قيادات حركة ” كاخ” الإسرائيلية المتطرفة يشربون نخب اغتيال ” عاطف بسيسو” بعد أن أعلنت حركة ” كاخ” مسؤوليتها عن اغتياله..
و بعد تسعين دقيقة أعلنت منظمة إسرائيلية متطرفة أخرى مسؤوليتها عن اغتيال ” عاطف بسيسو” ، أطلقت على نفسها تسمية ” أرواح كاهانا” و هي منظمة منبثقة عن حركة ” كاخ” و قد قتل زعيمها ” كاهانا ” في الولايات المتحدة الأمريكية عام1990..
فرنسا:
قام السفير الفرنسي في تونس بالتوجه إلى أسرة الشهيد ” عاطف بسيسو” لتقديم كتاب تعزية من وزير الخارجية الفرنسي ” رولان دوما” باسم الحكومة الفرنسية لأسرة الشهيد و منظمة التحرير الفلسطينية ، فقالت له زوجة ” عاطف بسيسو” التي تجيد اللغة الفرنسية:” إننا نطالبكم باسم عائلة بسيسو و باسم الشعب الفلسطيني إن تسارع الحكومة الفرنسية بالقبض على القتلة و تقديمهم للمحاكمة ، و الكشف عن هويتهم للعالم أجمع حتى يعرف من هم الإرهابيون الحقيقيون في العالم”..
رئيس مركز الدراسات الفرنسية التابع لوزارة الدفاع الفرنسية ، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ” جون ماري دولا جورس”أكد ” على توجيه الاتهام لإسرائيل بتدبير اغتيال ” عاطف بسيسو ” و تحدث عن أهمية ” عاطف و مغزى اغتياله و أشار إلى أنه من الكوادر المؤهلة للقيادة و خاصة بأن أبو عمار اصبح وحيدا بعد اغتيال كثير من القيادات الفلسطينية التاريخية ، و أضاف أن العملية تنطوي على رهان للقضاء على القضية الفلسطينية و لكن وقت الرهان للقضاء على القضية الفلسطينية قد فات لأن روح المقاومة تغلغلت تماما في دماء الشعب الفلسطيني بفضل عطاء مناضلين شرفاء أمثال ” عاطف بسيسو”..
جامعة الدول العربية :
اتهمت جامعة الدول العربية إسرائيل بارتكاب جريمة اغتيال ” عاطف بسيسو” و قالت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في بيان رسمي أصدرته” إن استغلال إسرائيل للحملة الانتخابية الدائرة في داخلها ، باتباع مزيد من سياسة العنف و القتل و الملاحقة لن تحقق السلام ، لأن تحقيق السلام يتم من خلال المصالحة التاريخية و الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني”..
و حذرت جامعة الدول العربية في بيانها من عواقب استمرار هذه الأعمال الإرهابية و طالبت بالعمل على تحقيق المناخ الملائم لاستمرار عملية التفاوض من أجل السلام العادل والشامل في منظمة الشرق الأوسط ، و الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني و كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد وجهت مذكرة رسمية قبل أسبوع من اغتيال ” عاطف بسيسو” و على ضوء المعلومات التي تداولتها أجهزة الأمن الفلسطينية ، حذرت في تلك المذكرة من نوايا المخابرات الإسرائيلية المقررة في 22 حزيران 1992..
البرلمان الأوروبي:
أدان البرلمان الأوروبي جريمة اغتيال ” عاطف بسيسو” و أصدر البرلمان الأوروبي بيانا رسميا من مدينة ” ستراسبورغ” الفرنسية ، استنكر فيه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ضد لبنان و اغتيال المسؤول الفلسطيني ” عاطف بسيسو” في باريس..
الجنازة:
و في 10 حزيران 1992 شيعت القيادة الفلسطينية و عدد من كبار المسؤولين التونسيين و المئات من الجماهير الشعبية جنازة الشهيد ” عاطف بسيسو” إلى مثواه الأخير في مقبرة ” شهداء فلسطين” في منطقة حمام الشط بضواحي العاصمة التونسية.
و كان جثمان الشهيد ” عاطف بسيسو” قد نقل بعد صلاة الجنازة إلى النصب التذكاري الذي يخلد ذكرى الشهداء الفلسطينيين و التونسيين الذين سقطوا ضحايا للسفارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط في أكتوبر 1985..
و قد رافق موكب الجنازة عدد من كبار المسؤولين الفلسطينيين في اللجنة التنفيذية لمنظمة لتحرير الفلسطينية و اللجنة المركزية لحركة ” فتح” و المجلس الثوري مثل : محمود عباس ” أبو مازن” ، حكم بلعاوي ، عبد الله الحوراني ، أحمد قريع ،أبو العلاء ، أحمد عبد الرحمن ، أبو ماهر غنيم ، إلى جانب أفراد من عائلة الشهيد ” عاطف بسيسو” و شلة من كبار المسؤولين التونسيين و الشخصيات الوطنية التونسية ..
و قد أقيم ضريح الشهيد” عاطف بسيسو” إلى جانب أضرحة الشهداء ” صلاح خلف” أبو إياد” ، هايل عبد الحميد ” أبو الهول” ،فخري العمري ” أبو محمد”..
و أكد أبو ماهر غنيم في كلمة التأبين على أن هذه الجريمة الإسرائيلية لن تجعلنا نتراجع عن خيار السلام..
الأرض المحتلة:
في بيت عائلة ” عاطف بسيسو” أقيم صوان العزاء و جاء المئات من سكان قطاع غزة لتعزية العائلة..،،و أعلنت التنظيمات الفلسطينية المختلفة في الأراضي المحتلة أن ” عاطف بسيسو” شهيد الانتفاضة و قال ” رفيق بسيسو” عم الشهيد : ” سمعنا مفاجأة مفجعة عن موت ابننا ، كان بطلا و خلوقا ، لم يكن له أعداء و يبدو أن جهات إسرائيلية لها يد في هذه الفعلة”..
و قال عماد بسيسو أحد أقارب عاطف ” الموساد قتل عاطف بسيسو ، وكان الموساد يهدف لقتله و فعل ذلك”..
وفور الإعلان عن اغتيال ” عاطف بسيسو” خرج سكان غزة للشوارع ، فاندلعت المظاهرات العنيفة خاصة في منطقة الرمال ، مقر إقامة عائلة ” عاطف بسيسو” و قد بدأت المظاهرات بعد أن أعلن أن ” عاطف بسيسو” اغتيل في باريس..
و قام شباب الانتفاضة برشق الدوريات الإسرائيلية بالحجارة و على أسطح المنازل رفعت الأعلام الفلسطينية ، و أعلنت ثلاثة أيام حداد في قطاع غزة ..
و في الماضي رفضت السلطات الإسرائيلية دفن جثمان الشاعر ” معين بسيسو ” في غزة ابن عم ” عاطف بسيسو” و دفن الشاعر الفلسطيني في القاهرة، كما دفن عاطف بتونس ..
و قد امتدت المواجهات بين شباب الانتفاضة و الجيش الإسرائيلي في مختلف مناطق قطاع غزة ، و قد أصيب العشرات من شبان الانتفاضة بجراح في تلك المواجهات في غزة ، مخيم الشاطئ، و خانيونس ، و امتدت المواجهات أيضا إلى طولكرم و الخليل و بيت لحم و باقي المدن الفلسطينية..
و قام الجيش الإسرائيلي باقتحام منزل عائلة ” عاطف بسيسو” في غزة ،بحي الرمال و صادروا صور الشهيد و الأعلام الفلسطينية..
البطل القومي :
بعد أن تماثل الرئيس ” أبو عمار ” للشفاء إثر العملية الجراحية في إحدى المستشفيات الأردنية ، أقيم مهرجان تأبيني بمناسبة ذكرى مرور أربعين يوما على استشهاد ” عاطف بسيسو” في 17 تموز 1992 بتونس”،وألقي الرئيس أبو عمار كلمة قال فيها” إن استشهاد عاطف بسيسو هو جزء من ثمن قرار الشعب الفلسطيني بأن يعيش حرا كريما مستقلا ، مهما عظمت التضحيات و مهما طال الزمن”..
و حيا ” أبو عمار” روح الشهيد ” عاطف بسيسو” و ثمن تضحيته أثناء قيامه بمهمة هامة في سلسلة مسؤولياته التي تحملها بأمانة و إخلاص ،ووصف ” عاطف بسيسو” بـ” البطل القومي”..،وجاء في كلمة مؤثرة ألقاها أمين الهندي ، عضو المجلس الثوري لحركة ” فتح” و نائب جهاز الأمن الموحد، قال ” أنت حي في ضمير الأحبة ، و أنت السيف البتار الذي سيبقى أبدا و دوما … و أنت معهد للعلاقات الدولية ، سنبنيه و فيه سيتعلم أبناء فلسطين السير في الأنوار و السباحة ضد التيار، و أنت ركن في أكاديمية ” صلاح خلف ـ أبو إياد” للدراسات الأمنية..
و منذ حزيران 1995 و بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية ، يحرص جهاز المخابرات العامة ، على إحياء الذكرى السنوية لاستشهاد “عاطف بسيسو” في مدينة غزة برعاية و حضور الرئيس ” أبو عمار ” و قيادة منظمة التحرير الفلسطينية و السلطة الوطنية،، و بقي أخاه ” عاهد بسيسو” وفيا لذكرى “عاطف بسيسو”..
تحقيق فرنسي
قامت منظمة التحرير الفلسطينية بتشكيل لجنة تحقيق باغتيال ” عاطف بسيسو ” ، فرفضت الحكومة الفرنسية دخول اثنان من لجنة التحقيق الفلسطينية إلى الأراضي الفرنسية ، لأن المؤشرات الخاصة بعملية الاغتيال لم تكن مريحة للحكومة الفرنسية ،، و جاء تكليف القاضي الفرنسي الشهير ” جان لوي بروغيير ” لإغلاق الباب أمام لجنة التحقيق الفلسطينية و لامتصاص نقمة منظمة التحرير الفلسطينية على الحادث ..
تشكلت لجنة تحقيق أمنية فرنسية ، و بدأت التحقيقات و التحريات ، فقام وفد أمني فرنسي بزيارة برلين في أيلول 1992 للتنسيق مع المخابرات الألمانية في التحقيق بظروف اغتيال ” عاطف بسيسو ” و قام كلا الجهازين بالاستماع لشهادة بعض ضباط الأمن الفلسطيني في برلين ثم واصلت اللجنة الفرنسية التحقيق في تونس ..
في البداية حاولت لجنة التحقيق الفرنسية التركيز على توجيه الاتهام لتنظيم ” أبو نضال ” ، ثم حولت أصابع الاتهام كليا إلى الموساد الإسرائيلي بكل وضوح..
و قد أكدت تقديرات لجنة التحقيق الأمنية الفرنسية مشاركة عشرة أشخاص في عملية الاغتيال ، كما أكدت على أن أسلوب العملية من تنفيذ محترفين ، أجهزة مخابرات و ليس أسلوب ” أبو نضال”..،كما أكد بيان رسمي صدر عن وزارة الداخلية الفرنسية أن ” عاطف بسيسو” كان يعمل كمفاوض في موضوعات معينة ، و هو ما يفسر اتصالاته بجهاز مكافحة التجسس الفرنسي”..،و قد سلمت الحكومة الفرنسية ملف التحقيق في اغتيال ” عاطف بسيسو” إلى القاضي الفرنسي ” جان بروغيير” المتخصص بشؤون الإرهاب و الذي يتابع أخطر الملفات في فرنسا
مثل : ملف تفجير طائرة (دي سي 10) التابعة لشركة ” أوتا” الفرنسية فوق صحراء النيجر مما أدى إلى وقوع 170 قتيلا في أيلول 1989..
كما يتولى القاضي نفسه متابعة التحقيق في ملف اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق ” شهبور بختيار” الذي قتل في إحدى ضواحي باريس عام 1991..
واشتهر القاضي الفرنسي بطريقته الاستعراضية في طرح المسائل التي يبحثها في الساحة الإعلامية و في عام 1995 قام القاضي الفرنسي بزيارة إلى تونس و طلب من منظمة التحرير الفلسطينية الاجتماع مع ” عدنان ياسين” المعتقل لاستكمال التحقيق! ..يقول القاضي الفرنسي : ” كان لدى الموساد فرص عديدة لاغتياله ، و لكن اختاروا أن يتم ذلك تحت الأضواء الكاشفة” أي الضجة الإعلامية”،فقد كان باستطاعة الموساد اغتيال ” عاطف بسيسو” في طريق رحلته من ألمانيا إلى فرنسا ، وكان باستطاعتها فعل ذلك كحادث سيارة “،كما كان باستطاعة الموساد اغتياله في منطقة المطعم المكسيكي ، وهي منطقة مظلمة “..
لقد أرادت إسرائيل و حزب الليكود الحاكم آنذاك توظيف عملية الاغتيال إعلاميا و على مستوى الرأي العام الإسرائيلي ، للتأكيد للشارع الإسرائيلي بأن الحكومة جادة بـ” محاربة الإرهاب” ، و كان إعلان حركتي ” كافي” و ” أرواح كاهانا” بالمسؤولية من الاغتيال، نابع من معرفة دقيقة بأن الموساد الذي نفذ العملية ، و هي هدية قدمها حزب الليكود للقوى الإسرائيلية المتطرفة لكسب موقفها أثناء الحملة الانتخابية”..،لكن أهداف عملية الاغتيال لم تكن إعلامية فقط ، و إنما كان لدى إسرائيل أهداف بعيدة أخرى تتعلق بإستراتيجية إسرائيل الأمنية بعد السلام، لإضعاف أجهزة الأمن الفلسطينية بالقضاء على رموزها الفاعلة.. يقول القاضي الفرنسي في رحلته إلى تونس : ” قضية عاطف بسيسو ، قضية فرنسية أكثر مما هي فلسطينية ، لأنه صديق لفرنسا ، اغتيل على الأرض الفرنسية ، و هنالك اتفاق ” جنتلمان” بين فرنسا ، بأن لا تستخدم الأرض الفرنسية لعمليات تصفية بين الطرفين” ..،” الموساد” لا يستطيع الاعتراف علنا بمسؤولية عن اغتيال ” عاطف بسيسو” التي ارتكبها في باريس ، ولكنه أرسل إشارات واضحة للرأي العام الإسرائيلي من خلال إعلان حركة ” كافي ” و من خلال الصحافة الإسرائيلية التي تستحق التوقف عندها طويلا فيما تناولته حول هذه العملية ..،كما كان الاغتيال على الأرض الفرنسية يحمل رسالة تحذيرية إلى فرنسا ، و قد فهمت فرنسا الرسالة تماما فيما يتعلق بتوجهات الحكومة الفرنسية نحو منظمة التحرير الفلسطينية و دعم مواقفها ، فقد كان اغتيال ” عاطف بسيسو” من أجل المستقبل و ليس من أجل الماضي..
لائحة اتهام إسرائيلية
تناولت الصحافة الإسرائيلية موضوع اغتيال”عاطف بسيسو”والتصريحات المختلفة لكبار المسؤولين الإسرائيليين،وأشار بصورة مباشرة وأحيانا بطريقة غير مباشرة إلى أن”عاطف بسيسو”كان هدفا للموساد منذ سنوات طويلة “ولكن خلال السنوات الأخيرة وضع على رأس”القائمة السوداء”.،في القدس نفى إسحاق شامير رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك بتصريح صحفي في 8 حزيران 1992 أي علم له بقضية اغتيال “عاطف بسيسو”،”ايهود جول”مستشار رئيس الحكومة الإسرائيلية لشؤون الإعلام قال: “الاتهام بعلاقتنا باغتيال عاطف بسيسو غير مستحق للرد عليه”.
كارت عمل أسود:
صحيفة “يديعوت أحرونوت”نشرت تقريرا عن اغتيال”عاطف بسيسو”بتاريخ 9 حزيران 1992 قالت فيه:”عاطف بسيسو كان لسنوات طويلة اليد اليمنى لعلي حسن سلامة و مساعدا لـ” أبو إياد”ومقرب منه،وكانت له علاقة بقتل”رياضيا إسرائيليا في أوليمبيات ميونيخ عام 1972..، بعد اغتيال”أبو إياد”عمل مديرا مؤقتا لجهاز الاستخبارات التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية،وأشرف على أمن الشخصيات الفلسطينية في أوروبا،إحدى وظائفه كانت الاتصال بين التنظيم وبين أجهزة المخابرات السرية الأوروبية في كل ما يتعلق بمكافحة الإرهاب للتنظيمات المتطرفة ومثال على ذلك”أبو نضال” .. ياسر عرفات كان أول من علق على الاغتيال بقوله:”خسرنا بطلا قوميا”وقال في عمان أيضا”قبل أن يغادر”عاطف بسيسو”إلى أوروبا نصحته بأخذ الحيطة حيث أن الموساد يتابعه”..،وأضافت الصحيفة:”رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي”أوري شيجيا”علق على اغتياله قائلا:” فحصت على الشخص،لا توجد أية كلمة طيبة نقولها عنه،له كارت عمل أسود لدينا”،وتواصل صحيفة”يديعوت أحرونوت”تقريرها:”على الرغم من أنه غير واضح من قام باغتيال عاطف بسيسو إلا أن شيئا واحدا واضح جدا،فقد كان له أعداء كثيرون..حيث كان بارزا في أيلول الأسود وشارك بنفسه بعدة عمليات إرهابية ضد إسرائيل في أوروبا..،عاطف بسيسو كان من المعارضين الرئيسيين لـ “أبو نضال” وأفشل مع”أبو إياد”كل محاولة من أبو نضال للعودة لأطر فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية..،بسيسو له ضلع بخلافات داخلية بالتنظيم،وكان وراء عدة إجراءات تفتيش في أطر منظمة التحرير الفلسطينية..،خلال السنوات الثلاث الأخيرة لم يقم “عاطف بسيسو”بأعمال إرهابية فعلية،حيث عمل في مجال الاتصال والتنسيق مع جهات مختلفة..،في أوروبا كان محبوبا وله مؤيدون كثيرون بين رجال منظمة التحرير الفلسطينية في العالم،وعرف كيف يستغل ذلك جيدا..،ولإسرائيل مع”عاطف بسيسو” تاريخ حافل وطويل،في أوائل السبعينات كان من رؤساء جهاز العمليات التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية بالخارج،وعند اجتماعات المجلس الثوري لحركة “فتح” في دمشق في أيلول 1971 الإعلان عن إقامة”أيلول الأسود” تطوع”عاطف بسيسو” للتنظيم القذر الذي أخذ على عاتقه تنفيذ العمليات في الخارج..،ركز بسيسو دائما على أن يبقى في الظل ، واكتشف للمرة الأولى عام 1973 عندما اعتقل مع ثلاثة من أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية في روما عندما حاولوا تفجير طائرة العال الإسرائيلية..،ومن الذين لقطوا أنفاسهم عند سماع خبر وفاة “كثير الغلبة” عاطف بسيسو”كان رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي “أوري شجيا”.
قائدا بعد الآخر:
صحيفة”حدشوت”الإسرائيلية نشرت تقريرا عن اغتيال”عاطف بسيسو” بتاريخ 9/6/1992 بعنوان رئيسي على الصفحة الأولى..،” الموساد يلاحقهم قائدا بعد الآخر..المخرب الذي قتل في باريس من مخططي مذبحة ميونيخ”،وتناول تقرير الصحيفة موضوع الاغتيال على الصفحة الأولى أيضا”واحدا واحدا بدون مفر،منذ مقتل الرياضيين في ميونيخ عام 1972،اغتيل ستة كانوا مسؤولين عن الحادث:صلاح خلف- أبو إياد- مؤسسي أيلول الأسود،علي حسن سلامة ،وائل زعيتر،محمود الهمشري،أبو يوسف النجار،انضم إليهم عاطف بسيسو،رجل الاستخبارات في منظمة التحرير الفلسطينية”،وواصلت الصحيفة تقريرها:”عاطف بسيسو بدأ نشاطه في العمليات بالمنظمة منذ تأسيس أيلول الأسود عام 1971،وكان مشاركا مباشرة في عملية ميونيخ 1972،وفي عام 1973 كان مشاركا في محاولة لإطلاق صاروخ كتف من نوع”ستريلا”على طائرة العال الإسرائيلية في مطار روما..،وواصلت الصحيفة اتهاماتها لعاطف بسيسو بالمشاركة بالتخطيط لعمليات في لندن وغيرها.. ويتحدث في التقرير ذاته “يوسي ملامين”فيقول:”عاطف بسيسو كان مرتبطا بمقتل الرياضيين في ميونيخ عام 1972،في تلك الفترة كان هناك قليل من الأشخاص استطاعوا عمل كل شئ.
هو لم يكن من القياديين،واسمه بضعة عامة لم يظهر في العناوين الرئيسية،نهى عاطف بسيسو في التنظيم ببطء،في الصغر كان يعمل متسترا،حيث أنه لم يكن مدرجا في قائمة الاغتيالات،ولم تكن له أولوية عالية للاغتيال..
إذا كان تم اغتياله على يد إسرائيل،وإسرائيل تنفي هذا فإن ذلك لم يكن من أجل ميونيخ..،ويضيف:”عاطف بسيسو تسلق وارتفع في دوائر التنظيم ووصل لدرجة رجال العمليات”الأركان”الذين عملوا بقيادة “أبو إياد”..،عاطف بسيسو عمل موازيا لأربع أو خمس أشخاص آخرين بقيادة “أبو إياد”،التوزيع بينهم كان جغرافيا ووظيفيا ، عاطف بسيسو كان مسؤولا عن أوروبا لأمن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وعلى أمن قادة منظمة التحرير أيضا في أوروبا،إضافة لوظيفة أخرى العلاقات الاستخبارية لمنظمة التحرير مع أجهزة استخبارات أوروبية وأجنبية وكذلك كان مسؤولا عن تشغيل عملاء وتخطيط عمليات في أوروبا…وهكذا تمت تصفية جميع اللذين لهم علاقة بمقتل 13 رياضيا إسرائيليا في ميونيخ”.
إسرائيل لن تغفر:
صحيفة “معاريف”الإسرائيلية أوردت تقريرا مفصلا عن حياة واغتيال “عاطف بسيسو”بنفس اتهامات الصحف الإسرائيلية الأخرى،وتناولت الصحافة الإسرائيلية موضوع الاغتيال وكأنها تتلو لائحة اتهام،فيقول تقرير الصحيفة “عاطف بسيسو كان إرهابيا” غير صغير في الماضي وزعيما إرهابيا غير مشهور والملف الإرهابي الخاص به يعود بالأكثر لسنوات عقد السبعينات.،مشاركة فعالة في التخطيط لعملية ميونيخ،ومحاولة تفجير طائرة العال الإسرائيلية في مطار روما عام 1973،من مخططي اختطاف طائرة “سابينا”لمطار اللد،مخطط الهجوم على سفارة إسرائيل بانكوك،ويقولون أنه يتحمل مسؤولية مقتل..،في القاهرة،ومحاولة اغتيال مسؤول..في لندن.،قد يكون”عاطف بسيسو”دفع في باريس الثمن ليس فقط على أفعاله ولكن حساب الماضي أيضا،وقد تكون نفي اليد المجهولة التي انتقمت من مخططي عملية قتل الرياضيين في ميونيخ ورؤساء “إرهابيين”آخرين،قد عملت الآن من خلال ذكريات تاريخية لا تنسى.أضاف إلى ذلك أنه قد يكون هناك عامل مشترك يربط عملية الاغتيال في باريس مع عمليات أخرى،وجد مصيرهم المميت بها قادة آخرين في منظمة التحرير الفلسطينية بعمليات محكمة سريعة وذائعة،التي لا تترك آثارا للكشف عنها”أضافت الصحيفة تستشهد بمقولة أحد مسئولي الأمن الإسرائيليين عندما علق على نفس الأحداث المخفية ضد قادة “فتح”في أنحاء العالم:”إسرائيل وضعت هدفا لها،كل مخططي عملية ميونيخ وقادتها وأخذت على نفسها عهدا ألا تتركهم حتى أخر يوم في حياتها .. الله قد يغفر ـ إسرائيل لن تغفر أبدا”.وتوضح صحيفة معاريف مسؤولية إسرائيل عن اغتيال عاطف بسيسو فتقول:”عاطف بسيسو الذي قتل في باريس كان واحدا من الرؤوس الثلاثة الكبيرة الباقية حية،والتي خططت لعملية ميونيخ .الآن بقي اثنان..”،وتواصل الصحيفة في تقريرها:”وعلى عكس جميع رؤساء التنظيم ابتعد عاطف بسيسو عن ذكر اسمه في جميع وسائل الإعلام ولم يكثر من حب الظهور “وفي مراسلة خاصة لنفس الصحيفة كتبت”سيدار بري” المسؤولة عن الشؤون العربية تقول:”إنه كان لإسرائيل حسابا طويلا مع عاطف بسيسو،الذي أصبح ضابط الأمن الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية بعد اغتيال”أبو إياد”وعمل بتوجيهات مباشرة من ياسر عرفات شخصيا”،وجاءت لائحة الاتهام الإسرائيلية على لسان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية فيقول : “إن تاريخ عاطف بسيسو مع إسرائيل أسود من السواد نفسه..”،إن ما تناولته وسائل الإعلام الإسرائيلية حول اغتيال”عاطف بسيسو”يؤكد أن”الموساد”الإسرائيلي المسؤول عن تدبير عملية الاغتيال،وقد اشتركت جميع الصحف الإسرائيلية -كما نلاحظ- بالتركيز على عملية ميونيخ بشكل خاص ورئيسي،باعتبار هذه العملية بالذات تدغدغ مشاعر الإسرائيليين سابقا،وبقيت خلال السبعينات،ولم يعد هذا الموضوع يجد آذانا صاغية سوى لدى الحكومة الإسرائيلية ذاتها وقياداتها القوى الإسرائيلية المتطرفة التي حاولت المزج بعملية كهذه،في حسابات انتخابية لا أكثر..،لكن الأسباب الحقيقية في اغتيال”عاطف بسيسو”تبقى تتعلق بالحاضر أثناء اغتياله والمستقبل،وهذا الموضوع تجنبت الصحف الإسرائيلية الإشارة إليه بشكل صريح وتحدثت عنه بصورة عابرة..،هنالك اغتيالات عديدة نفذتها”الموساد”كانت جميعها تتعلق بالمستقبل،لتحقيق هدف أساسي بإضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وضرب مؤسساتها العسكرية والأمنية و السياسية ..
يبقى الحديث عن دور تنظيم”أبو نضال”في اغتيال عاطف بسيسو بدعة إسرائيلية،لا تحمل أدنى دليل، بينما كل أصابع الاتهام توجهت إلى الموساد وحتى أن قاضي التحقيق الفرنسي في قضية عاطف بسيسو أصبح على قناعة بأن الموساد هي الجهة الحقيقية و الدليل أنه طلب الاجتماع مع العميل”عدنان ياسين” للاستفسار عن دوره بالإدلاء بمعلومات حول تحركات عاطف بسيسو قبل اغتياله.
إسرائيل سعت لاستخدام عملية ميونيخ كورقة تبتز بها مشاعر الرأي العام العالمي،وكأن عقارب الساعة في الصراع الفلسطيني،الإسرائيلي قد توقفت عند هذه العملية،وعندما أعلن محمد داود عودةـ أبو داود،أحد الذين تتهمهم إسرائيل بالتخطيط لعملية ميونيخ،بأنه مستعد للمثول أمام محكمة ألمانية للإدلاء بشهادته و نفى الاتهامات الإسرائيلية الموجهة إليه،لم تستعد أي محكمة ألمانية لذلك كما أن إسرائيل تجاهلت هذا الموضوع..وهذا دليل على أن إسرائيل ترغب بإبقاء العملية كقميص عثمان تلوح بها حتى تشاء في وجه أي مسؤول من منظمة التحرير الفلسطينية مثل الكارت الأحمر”خلال عام 1997 أعلنت إسرائيل عن مشاركة وتخطيط”ايهود باراك”زعيم حزب العمل الإسرائيلي،باغتيال”أبو جهاد “في تونس ونشرت الصحافة الإسرائيلية تفاصيل العملية،إضافة لمسئوليته عن اغتيال القادة الثلاثة في بيروت بعملية “فردان” أي أن”ايهود باراك”مسؤول عن اغتيال ثلاثة من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح بينهم نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية “أبو جهاد”ورغم هذا يطرح باراك التعايش والسلام ويدعو لهما ومطلوب من الشعب الفلسطيني أن يتعامل معه كداعية سلام،كما هو مطلوب التعامل مع”شارون”المخطط لمذبحة صبرا و شاتيلا وأن يتجاوز الشعب الفلسطيني آلام وجراح الماضي،بينما تتبجح إسرائيل بأنها لا تغفر لمقتل 13 رياضيا.،في عام 1985 طاردت المخابرات الإسرائيلية”الموساد”أحد الرجلين اللذان نجيا من عملية ميونيخ،من الشباب المنفذين،وقتلت أحدهما موتا بالسم وضع له في شراب تناوله بإحدى الدول العربية…
تقصير و تواطؤ:
تناولت الصحافة الفرنسية والعالمية حادث اغتيال”عاطف بسيسو”وحاولت جميعها إلقاء الضوء على خلفيات عملية الاغتيال وتوجهت أصابع الاتهام للموساد الإسرائيلي،فأكدت صحيفة ” ليبراسيون”الفرنسية أن”أجهزة الأمن الفرنسية سربت للموساد المعلومات التي أدت إلى اغتيال عاطف بسيسو لأن زيارته لفرنسا تحدد ميعادها بوقت مقيد قبل حضوره،وعن الزيارة علم عدد قليل من الأشخاص من جهاز الأمن الفرنسي وهم الذين كان من المفروض أن يتقابلوا معه،أحدهم نقل المعلومة للموساد،ورجال الموساد قرروا بسرعة عملية الاغتيال..،وقد نفى مصدر في الاستخبارات الفرنسية هذه المعلومة بقوله:”لماذا نقتل الرجل الذي كانت لنا معه علاقات جيدة وأيضا في قلب باريس”.
صحيفة”لوموند”الفرنسية ذكرت في 11 حزيران 1992 أن:”الأمن الفرنسي يتجه للاعتقاد بأن منظمة أبو نضال هي التي قتلت”عاطف بسيسو”المحققين الفرنسيين أعلنوا أن الخبراء الذين تفحصوا البيان الذي وزع في تونس،وأخذ على عاتقه هذه العملية باسم”منظمة أبو نضال”قرروا أنه يجب أخذه بجدية بالرغم من النفي الذي جاء بعد ذلك على لسان متحدث باسم التنظيم في بيروت بناء على مصادر مختلفة توحي بوجوب الثقة بمسؤولية أبو نضال وعلم جهاز الاستخبارات الفرنسي أن عاطف بسيسو بنفسه كان متورط بالتخطيط لضرب تنظيم أبو نضال فتح ـ المجلس الثوري كرد على مقتل أبو إياد في تونس عام 1991..،صحيفة”يديعوت أحرونوت”الإسرائيلية نقلت هذا الخبر عن صحيفة “لوموند”في 12 حزيران 1992،وأكدت أن صحيفة “لوموند”متعمقة بشؤون الأمن في فرنسا!،كان هنالك تقصير وتواطؤ فرنسي مع الموساد الإسرائيلي،وهذا التواطؤ غير رسمي ولكن هنالك مسؤولين في الأمن الفرنسي وخاصة في الأمن الداخلي كانوا غير مرتاحين لمستوى التنسيق القائم بين”عاطف بسيسو”وجهاز مكافحة التجسس الفرنسي،أي الفرع الخارجي،وهنالك تنافس قائم بين أجهزة الأمن،ونتيجة لتغلغل الموساد،في المؤسسات الأمنية الفرنسية استطاع الموساد تنفيذ العملية بهدوء،حتى أن نتائج التحقيق ما تزال فرنسا تتستر عليه لغاية الآن لأنه شمل المؤسسات الأمنية الفرنسية من الداخل..
المليونير الوهمي
الأسباب والدوافع التي جعلت حكومة إسرائيل تتخذ قرارها باغتيال “عاطف بسيسو”في عام 1992 لم تكن حتما لأن إسرائيل تذكرت فجأة عملية”ميونيخ”أو العمليات الأخرى التي تناولتها لائحة الاتهام الإسرائيلية،كما أن”عاطف بسيسو”لم يكن طوال السنوات الماضية مختفيا عن الأنظار،وظهر فجأة في باريس..وبالتالي فهنالك دوافع وأسباب أخرى أساسية وجوهرية جعلت”الموساد”يضع”عاطف بسيسو” تحت المجهر ويرصد تحركاته،مستخدما جهاز المخابرات الإسرائيلي إمكاناته الضخمة المالية والتكنولوجية في ذلك،لدرجة اهتمامه برصد المكالمات الهاتفية في منزل”عاطف بسيسو”بتونس..وفي وثيقة سرية أعدها العقيد”كامل أبو عيسى”حول الجهة التي نفذت عملية اغتيال”عاطف بسيسو”الأسباب والدوافع،في تموز 1992 ، كان العقيد كامل أبو عيسى،أحد مساعدي الشهيد”أبو إياد”وعمل مع الشهيد”عاطف بسيسو”لسنوات طويلة في جهاز الأمن الموحد،تقول الوثيقة:
أولاً:
أوردت وسائل الإعلام الإسرائيلية تعريفا بشخصية”عاطف بسيسو”ورأت إسرائيل فيه.
v واحد من الكبار الأقوياء في معسكر الرئيس ياسر عرفات.
v كان يقف وراء عمليات عزل قياديين من مناصبهم في منظمة التحرير الفلسطينية.
v أصبح ضابط الأمن الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية بعد اغتيال”أبو إياد”وعمل بتوجيهات مباشرة من”أبو عمار”.
v تولى مهمة تنسيق العلاقات مع أجهزة الأمن الأوروبية وحظي بحماس شديد من أتباع المنظمة في الخارج.
v كانت له علاقات قوية وهو شخص غني التجربة.
v كان عضوا كبيرا في أيلول الأسود وشارك في عمليات تصفية الإسرائيليين في أوروبا.
ثانياً:
استنادا إلى التعريف الإسرائيلي لشخصية “عاطف بسيسو”كان قول رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية:إن تاريخ عاطف بسيسو مع إسرائيل أسود من السواد نفسه”وهذا اعتراف ضمني بارتكاب حادثة الاغتيال.
ثالثا:
بحسب التغطية الإسرائيلية للحدث كالقول”إنهم تنفسوا الصعداء بعد أن تلقوا نبأ وفاته”و”أنه تمت تصفية الحساب معه”.
وهذا ينفي فرضية إقحام جماعة”أبو نضال”أو أي طرف آخر في عملية الاغتيال .
رابعا:
إن اختيار باريس كمسرح لارتكاب الجريمة كان اختيارا مقصودا ومرصودا لأسباب تتعلق بتشويش العلاقات الفلسطينية الأوروبية،وعدم تكرار تجربة النجاح الفلسطيني في مدريد وفي محادثات روما الثنائية،لتعطيل النشاط الأمني وقد جاءت عملية إحياء ملف”ميونيخ”كدليل وإثبات على النوايا الإسرائيلية .
خامسا: جاءت عملية الاغتيال في تلك المرحلة لتعطيل اقتراب منظمة التحرير الفلسطينية من مراكز النفوذ و القرار في الولايات المتحدة الأمريكية.
سادسا: إن ربط الاغتيال بأسباب تتعلق بالذاكرة التاريخية من قبل إسرائيل ، جاء بهدف التغطية على الدوافع الراهنة لارتكاب الجريمة ، و بالتالي الحديث عن مجموعة إسرائيلية لتعقب كل من شارك في عملية ” ميونيخ” ، ثم القيام بإعلام وكالات الأنباء بمسؤولية حركتي “كافي” و ” أرواح كاهانا” المتطرفتين عن العملية بالإضافة إلى إقحام جماعة ” أبو نضال” عبر اتصال هاتفي مشبوه مع وكالة ” فرانس برس” يستهدف التغطية على الموساد و إخفاء الدوافع الإسرائيلية الراهنة التي حتمت على إسرائيل القيام بهذه العملية.
سابعا: إن إسرائيل تعرف تماما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تراقب عن كثب النشاط الأمني و السياسي لعاطف بسيسو طوال السنوات الثلاث الأخيرة على الساحة الأوروبية ، وأن الارتياح الأمريكي لهذا النشاط بدأ يساهم بالاقتراب من نقطة الاقتناع بأهمية و ضرورة فتح قنوات للتعاون الأمني مع منظمة التحرير الفلسطينية ، لذا اتخذت إسرائيل قرارها بالتصفية ، وهو قرار يشابه في دوافعه السياسية و الأمنية إلى حد كبير دوافع قرارها باغتيال ” أبو حسن سلامة” في بيروت ، فإسرائيل ترى أن أي تعاون أمني بين منظمة التحرير الفلسطينية و الولايات المتحدة الأمريكية سواء على الصعيد السري أو العلني خطر عليها.
ثامنا: يثبت التكتيك الأمني لأدوات الجريمة و التكتيك الميداني لمجموعات القتلة بدءا بعملية المراقبة و انتهاء بمرحلة التنفيذ و الانسحاب أن أصول اللعبة الإرهابية المتبعة و أقبل جهاز الموساد الإسرائيلي لم تتغير في الجوهر ، إلا أن عملية التنفيذ و المراقبة في مكان الحادث اعتمدت على معلومات مسبقة من ناحية و على تسهيلات متواطئة من ناحية أخرى ، فبعد وصوله بخمس ساعات جرت عملية التنفيذ علما بأنه كان يعتزم مغادرة باريس في اليوم التالي و على الفور.
كما أن استخدام عدة مجموعات للحماية و التغطية و التنفيذ تدل على طمأنينة يفتقر إليها أي جهاز إذا لم يحصل على تطمينات معينة و هو يعمل خارج أرضه.
تاسعا: تعتمد الفنادق الكبيرة في العديد من عواصم العالم و بما فيها باريس على أجهزة للمراقبة و التصوير الالكتروني و تتابع عملية المراقبة و التحضير و التنفيذ ، و لا يعرف السر عن السبب الذي منع البوليس الفرنسي من التحرك المسبق اعتمادا على الإشارات الإنذارية بوجود تحرك مريب لمجموعة من الأفراد أو لعدة مجموعات في مكان الحادث”
أكدت هذه الوثيقة أن الاغتيال لم يكن بسبب الماضي ، ولكن اغتيال من أجل الحاضر و المستقبل و الملاحظ على ردود الفعل الإسرائيلية أنها تجاهلت متعمدة مسؤولية ” عاطف بسيسو” عن أمن الوفد الفلسطيني لمفاوضات السلام في مدريد ، و إشرافه الشخص و اشتراكه الرسمي في اجتماع ” هيئة التنسيق الأمنية ” في أسبانيا ،و بالتالي فقد اغتالت إسرائيل واحدا من المشرفين الرئيسيين على أمن المؤتمر الذي شاركت فيه إسرائيل بأعلى سلطة فيها تمثلت بالحضور الشخصي لإسحاق شامير رئيس الوزراء ، و كان شامير قد بدأ حياته السياسية في إطار مفاوضات السلام و التسوية مع العرب باغتيال وسيط الأمم المتحدة ” الكونت برنادوت” و ختم حياته السياسية بقتل المفاوض الفلسطيني ” عاطف بسيسو” رغم أن وزير الخارجية السوري ” فاروق الشرع” أثار قضية مقتل ” الكونت برنادوت” علنا في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد للسلام ووجه الاتهام مباشرة لإسحاق شامير و عرض على العالم نموذج لطلب البوليس الدولي لإسحاق شامير باعتباره مسؤولا عن اغتيال وسيط الأمم المتحدة و رغم هذا قرر شامير أن يختم حياته السياسية باغتيال آخر، لمفاوض فلسطيني أساسي في المؤتمر الذي تشارك به إسرائيل .
في جنيف:
بعد سنوات من اغتيال ” عاطف بسيسو” بدأ حوار ، ونشأت قناة للحوار الأمني الفلسطيني الإسرائيلي برعاية أميريكية.
و كان العميد ” نزار عمار” و الذي عمل في جهاز الأمن الموحد منذ تأسيسه ، عضو في تلك الاجتماعات الأمنية و في أحد الاجتماعات سأل ” زئيف شيف” المعلق العسكري في صحيفة” هآرتس” و أحد المفكرين الأمنيين الإسرائيليين ، حول الجهة التي اغتالت عاطف بسيسو؟!
فقال له ” زئيف شيف”: عند عودتي لإسرائيل سوف أسأل مدير المخابرات عندنا ، بعد عدة شهور جرى اجتماع آخر في جنيف ، و أعاد العميد نزار عمار السؤال على زئيف شيف فكان جوابه نقلا عن مدير المخابرات الإسرائيلية ” هل لعاطف بسيسو علاقة بعملية ميونيخ ؟ إن كل من له علاقة بعملية ميونيخ لدى الموساد أمر باغتياله دون الرجوع إلى رئيس الحكومة كما هو متبع!!
إجابة مدير المخابرات الإسرائيلية و التي نقلها المعلق العسكري “زئيف شيف” توضح ضمنيا مسؤولية الموساد عن اغتيال ” عاطف بسيسو” ، نظرا لاتهامه من قبل الموساد بمسؤوليته عن المشاركة بالتخطيط لعملية ميونيخ.
أجهزة تصنت:
في أواخر نيسان 1989 كان عاطف بسيسو قد قرر السكن في منزل آخر، بعد أن عثر على منزل جديد أثناء ” التشطيب” و اتفق مع صاحب المنزل أن يتسلمه في بداية حزيران 1989أي بعد حوالي شهر حتى تكتمل تجهيزات المنزل من الداخل”
و في الموعد المحدد، المتفق عليه ، ترك منزله القديم في شارع إفريقيا ـ المنزه الخامس ” كارنوا” إلى المنزل الجديد في المنزه السادس ـ 12 شارع بلال في العاصمة التونسية ”
و كان المنزل الجديد قريبا في منزل ” عدنان ياسين”
بعد عملية الاغتيال ، وأثناء توافد الشخصيات و السفراء و الوفود إلى منزل الشهيد ” عاطف بسيسو” في تونس ، للقيام بواجب العزاء ، لذوي الشهيد ، استعدت المخابرات الأسبانية للكشف في منزل ” عاطف بسيسو” عن أجهزة تصنت..
و فعلا جاء الخبراء الأسبان و بدأت عملية الكشف ،و اكتشفوا وجود جهازي تصنت في غرفة الصالون ، جهاز أخفي في علبة الكهرباء و آخر في علبة الهاتف على الحائط .. و تابع الخبراء البحث حتى بوابة المنزل و توقفوا هناك ، باعتبار أن خارج سور المنزل لا يحق لهم الكشف ..
و كانت أجهزة تصنت و بث لا سلكي متطورة جدا ، أعادت إلى الأذهان فورا أجهزة التصنت التي زرعتها المخابرات الإسرائيلية بواسطة ” عدنان ياسين ” في مكتب أبو مازن ، و لكن المثير أن مدى أجهزة التصنت في البث اللاسلكي لا يتجاوز مسافة 500متر ، حسب تقدير بعض الخبراء ،و تبقى المحطة التي تستقبل بث هذه الأجهزة .. يعتقد أن الفرصة أتيحت للمخابرات الإسرائيلية لتركيب أجهزة التصنت وزرعها ، كانت خلال مدة ” تشطيب” المنزل قبل أن ينتقل إليه ،بعد أن عرف أنه سيسكن في المنزل الجديد!!
المليونير الوهمي:
منذ مرحلة بيروت ” كانت بعض الإشاعات تلاحق ” عاطف بسيسو بأنه مليونير ، بسبب اهتمامه بهواية السيارات و رغم أنه أسرته في غزة من الأثرياء المعروفين، و كان أحيانا أخاه ” عاهد بسيسو” يرسل له بعض المال الذي يحتاجه ” عاطف ” حتى أن السيارة المكشوفة التي اشتراها في بيروت تداولها البعض .
لم يأبه ” عاطف بسيسو ” بما يقال حوله، فقد كان نزيها محاربا للفساد طوال حياته مما كسب أحيانا عداء البعض..
و عندما اشترى أخ زوجته في الولايات المتحدة الأمريكية سيارة اللاندروفر ، كانت مستعملة بقيمة 2500 دولار فقط و التي أرسلها إليه في ألمانيا ، و عندما أبلغه بأنه اشترى السيارة ، علق ” عاطف بسيسو ” بخفة ظله المعروفة” حتى يتسلوا بالجيب الذي جلبه عاطف”
نظرا لأن لديه تجربة سابقة في قصة ” اليخت” الذي حوله إلى مليونير حقا”
اليخت:
بعد أن انتهت مهام ” صخر بسيسو” في يوغسلافيا كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1985 ، اتصل به ” أمين الهندي” و طلب منه أن يجلب معه قارب مطاطي للنزهة البحرية في تونس.
و فعلا اشترى ” صخر بسيسو” قارب مطاطي أرضيته من الخشب بـ 600دولار إضافة لمحرك بقيمة 500دولار ، ووضع القارب في الحادية ” الكونتيز” الخاص بأغراضه و شحنهم إلى تونس..
لم يهتم ” صخر بسيسو” أو ” أمين الهندي” كثيرا باستخدام القارب المطاطي للنزهة بينما كان ” عاطف بسيسو” الأكثر نشاطا ، وبقي لديه مدة عامين ،وكان القارب يستعمل بعد أن يتم نفخه بالهواء..
و سرعان ما سرت إشاعة في تونس تقول أن لدى ” عاطف بسيسو” يختا في البحر بتونس ، و استفسر ” صخر حبش” عن ذلك فأكد له ” صخر بسيسو” الموضوع “ممازحا” و بأن اليخت قيمته 250 ألف دولار!
وصلت الإشاعة أيضا للرئيس أبو عمار و اهتم بها “أبو مازن –محمود عباس” و سأل ” عاطف بسيسو” عن موضوع اليخت ، فطلب منه أن يرى اليخت و رفض أبو مازن ، ثم استجاب أما إلحاح عاطف بأن يرى هذا اليخت و أخذه بالسيارة إلى البحر و طوال الطريق يحدثه عن مزايا اليخت..
كان يقصد ” عاطف بسيسو” من خلال ذلك ممازحة ” أبو مازن” و أن يريه زيف الإشاعة بنفسه ، و عندما وصلا وجد اليخت عبارة عن قارب مطاطي ” زودياك”
و تفاجأ أبو مازن بهذا الموضوع الغريب..
بعد استشهاد ” عاطف بسيسو” توجه أخاه ” عاهد بسيسو” و المقيم في غزة إلى تونس للمشاركة في الجنازة و رعاية أسرة أخيه ، و قام بحصر إرث ، و كان لدى ” عاطف بسيسو” حسابا بنكيا في البنك العربي بتونس ، و ذهب مع زوجته ” ريما” إلى البنك و كانت مفاجأة لمدير البنك بأن يحتوي حساب ” عاطف بسيسو” الذي أثارت وسائل الإعلام العالمية حول اغتياله ضجة كبيرة ، على ” خمسة آلاف دولار فقط”!
تسلمتها زوجته و بيعت سيارة اللاندورفر بألفي دولار و كذلك سيارته الخاصة من نوع “BMW” مسجلة بلوحة دبلوماسية للسفارة اليمنية ، بسعر مخفض بستة آلاف دولار، و كانت هذه التركة المالية لعاطف بسيسو المليونير الوهمي ..
و ربما بقيت إشاعة المليونير تطارده ، فقد سرقت حقيبة ” عاهد بسيسو” أثناء العودة و اختفت و لم يعثر عليها و بها شريط فيديو للجنازة ، لاعتقاد بوجود ملفات سرية تخص عاطف بالحقيبة….
أما التركة الحقيقية لعاطف بسيسو كانت انجازات لمنظمة التحرير و الشعب الفلسطيني لا يستطيع أحد تجاهلها.
صور القتلة:
كانت الزيارة الأخيرة التي قام بها ” عاطف بسيسو” إلى بولندا في 5 حزيران 1992 فقد وصل ليلا إلى وارسو قادما من برلين ، و اجتمع مع مسؤولين في أجهزة الأمن البولندية ، في إطار التنسيق الأمني بين جهاز الأمن الموحد و الأمن البولندي ، و كانت بولندا من أوائل الدول الأوروبية الشرقية التي أقامت علاقات للتنسيق الأمني ، وقد قام ” أبو إياد” بتوقيع اتفاق للتعاون الأمني خطي مع وزير الداخلية البولندي في نهاية عقد السبعينات و أثناء وجود منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت .
و شكلت بولندا لاحقا أهمية خاصة لمنظمة التحرير الفلسطينية لمكافحة نشاط تنظيم أبو نضال في بولندا ، خاصة بعد اغتيال ” أبو إياد” نظرا لأن القاتل حمزة أبو زيد.
قام تنظيم ” أبو نضال ” بتجنيده في بولندا ، حيث أقام فترة بعد أن عمل مع جهاز ” هواري “ثم التحق بالأمن المركزي و انفصل عنه ، بسبب سلوكياته في بولندا، حيث قدم رجال الأمن الفلسطيني في بولندا تقارير ” سيئة” عديدة لأجهزة الأمن الفلسطينية حول سلوكه و علاقاته المريبة ، رغم أن ضابط الأمن الفلسطيني في بولندا ” داود بعلوشة” حاول مساعدته دون جدوى..
انتقل حمزة أبو زيد مع زميل له من قبرص إلى بولندا ، وقيل أنه تم تجنيده لصالح ” الموساد” في قبرص قبل أن يكلف من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي باختراق تنظيم أبو نضال في بولندا ، ليحصل على التكليف النهائي باغتيال أبو إياد ، و هكذا أدار الموساد خيوط العملية بطرح فكرة اغتيال أبو إياد على أبو نضلا من خلال عملية الإختراق ، في مرحلة كان ” أبو نضال ” على استعداد للقيام بمثل هذه العملية كرد فعل انتقامي على انشقاق عبد الرحمن عيسى و عاطف أبو بكر و تحمل ” أبو نضال ” وزر عملية اغتيال ” أبو إياد” و بقيت ” الموساد” بعيدة عن الاتهام..
في بولندا كانت الأجهزة الأمنية البولندية جميعها تقيم علاقات للتنسيق الأمني مع جهاز الأمن الموحد الفلسطيني و هي: جهاز حماية الدولة ، المخابرات البولندية ، جهاز حماية الحكومة.
مكث ” عاطف بسيسو” ساعات في وارسو و كعادته كرجل المهمات الصعبة ، كانت نشاطاته مثيرة . فاجتمع مع داود بعلوشة و عبد الله حجازي و بعض رجال الأمن الفلسطيني في بولندا ، إضافة لاجتماعه مع مسؤولين في أجهزة الأمن البولندية..
و اجتمع مع أحد رجال أبو نضال الأساسيين في بولندا ، في إطار النشاط الأمني المضاد لتنظيم أبو نضال..
و تردد على أوروبا الشرقية أحيانا لمتابعة عمليات الاختراق في تنظيم أبو نضال التي كان يشرف عليها شخصيا ..
و يعتقد أن سفره المفاجئ إلى بولندا كان أيضا للخروج من دوامة المعلومات في برلين حول اغتياله ، حيث أحدثت له ارباكا ..
بعد اغتيال ” عاطف بسيسو” في باريس ، طلبت أجهزة الأمن البولندية اجتماعا مع بعض ممثلي أجهزة الأمن الفلسطينية في وارسو ، و تم بحث موضوع اغتيال ” عاطف بسيسو” ووجهت أجهزة الأمن البولندية اتهاما وحيدا ” للموساد” بالمسؤولية عن عملية الاغتيال ، و قدموا في إطار التعاون الأمني صورا تقريبية للقتلة إلى أجهزة الأمن الفلسطينية ، حيث أرسلت الصور فورا إلى رئاسة الأجهزة الأمنية الفلسطينية في تونس..
و كان واضحا أن لدى أجهزة الأمن البولندية معلومات مسبقة عن عملية اغتيال ” عاطف بسيسو” و يعتقد أنه تم تحذيره في اجتماعه مع مسؤولي الأمن البولندي أثناء زيارته السرية لوارسو.
و كان ” عاطف بسيسو” قد أرسى تعاونا هاما مع أجهزة الأمن البولندية في مجال مكافحة النشاط الاستخباري الإسرائيلي في بولندا ، و كان للموساد نشاط سري ملموس في بولندا و أوروبا الشرقية قبل انهيار الإتحاد السوفياتي و الكتلة الشرقية ، و بعد ذلك تزايد نشاط الموساد في بولندا بشكل شبه مكشوف و كبير، فقاموا بفتح مراكز و شركات تجارية كواجهة و غطاء للنشاط الاستخباري و من خلال السوق السوداء في بولندا..
عدنان ياسين :
أثناء وجود ” عاطف بسيسو” في برلين بعد زيارته لكوبا, و التي تحولت إلى لغز آخر ، بعد أن تبين أنه قام بزيارة سرية الأولى و الأخيرة من نوعها لعاطف بسيسو إلى الولايات المتحدة الأمريكية و تحديدا في ولاية ” فيلادلفيا” حيث أجرى اجتماعات أمنية مع مسؤولين في المخابرات الأمريكية ، قبل أن يتوجه إلى برلين.
أثناء وجوده في برلين ، توصل الأمن السياسي الذي يترأسه هاني الحسن ، عضو اللجنة المركزية لحركة ” فتح” إلى معلومات دقيقة حول اغتيال ” عاطف بسيسو” و رفع هاني الحسن تقريرا إلى الرئيس أبو عمار بوجود أدلة قاطعة حول مشاركة يوغسلافيين عملاء للموساد في منطقة ” سلوفانيا ” في عملية تدبر لاغتيال عاطف بسيسو ، و أمر أبو عمار ، رئيس جهاز الأمن السياسي هاني الحسن بإبلاغ عاطف بسيسو فورا بهذه المعلومات ليعود فورا إلى تونس..
و أجرى هاني الحسن اتصالا هاتفيا مع عاطف بسيسو و أبلغه بالموضوع و الذي تقاطع مع معلومات جهاز الأمن و المعلومات الذي يرأسه ” طارق أبو رجب ” بعد اغتيال ” أبو الهول”..
بعد اغتيال ” عاطف بسيسو” اجتمع هاني الحسن مع رئيس جهاز المخابرات الفرنسية ، و جرى نقاش حاد حول اغتيال عاطف بسيسو، و قدم رئيس جهاز الأمن السياسي أدلة دقيقة و تسجيلات صوتية ، أكدت للمخابرات الفرنسية مسؤولية الموساد عن العملية
هذا التدخل قاد إلى كشف قضية “عدنان ياسين ” الذي كانت علاقاته مع الموساد تتابعها خفية أجهزة الأمن الفرنسية ، خاصة أن عدنان ياسين كان متواجدا بفندق ” الميريديان ” يوم اغتيال ” عاطف بسيسو” و يعتقد أنه كان المعرف على شخصيته..
على إثر ذلك وجهت المخابرات الفرنسية ضربة غير مباشرة للموساد بكشف ” عدنان ياسين ” بعد اغتيال عاطف بسيسو بأشهر قليلة .
و على إثر ذلك تداولت اللجنة المركزية لحركة فتح اسم هاني الحسن كأقوى المرشحين آنذاك لرئاسة مفوضية الأمن القومي الفلسطيني بعد غياب ” أبو إياد” و “أبو الهول” ، و نشرت صحيفة البيان التونسية خبر ترشيح هاني الحسن لهذا الموقع لكن الأحداث السياسية اللاحقة بمفاوضات أوسلو أعاقت ذلك التوجه بإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية و تأسيس جهاز المخابرات العامة الفلسطيني على أرض الوطن.
المخابرات العامة الفلسطينية
في ليلة 14 كانون الثاني 1991 كان الاجتماع للقيادة التاريخية لجهازي الأمن الموحد و الأمن و المعلومات ، الجهازين على الأرض و في ساحات العمل الأمني ، و كانت القيادة قد توصلت لصيغة اتفاق لدمج الجهازين ، و لكن رصاص الغدر جاء في تلك الليلة ليعلن عن حقده على هذا التوجه و القرار الاستراتيجي على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية ، وكان كافة كوادر و أعضاء الجهازين يتطلعون لهذا التوجه بأمل كبير و بفارغ صبر حتى تستكمل خطوات القيادة الأمنية الفلسطينية التاريخية ”
لم يستطع رصاص القاتل ” حمزة أبو زيد” أن يقتل هذا التوجه الاستراتيجي ،كانت الضربة قاسية و مؤلمة للغاية ، لكنها لم تمنع قيادة ” الصف الثاني أو ” قيادة الظل ” لجهازي الأمن”، أن تعمل فورا و بعد عملية الاغتيال على استكمال الخطوات ، و كان أول قرار في اجتماع لاحق لـ ” عاطف بسيسو ، أمين الهندي ، طارق أبو رجب ” مواصلة نهج القيادة التاريخية الأمنية بالتوحيد و الدمج لكلا الجهازين ، و بدأ مع خطوات جديدة حتى انطلق الرصاص الغادر مرة أخرى في 8 حزيران 1992 ، ليضيف إلى المحنة العسيرة أبعادا أكثر إيلاما بسقوط ” عاطف بسيسو” شهيدا ، و لكن هذه المحنة القاسية لم تأخذ أبعادها السلبية كما راهنت على ذلك ” الموساد” بأن هذه الاغتيالات ستقحم ظهر أجهزة الأمن الفلسطينية و تفككها و تنهيها إلى الأبد ”
فشلت التوقعات الاسرائيلية فشلا ذريعا ، بسبب وجود كوادر و قيادات أمنية تم تكوينها تكوينا أمنيا سليما على يد هؤلاء القادة التاريخين ”
لم تكن الاغتيالات من أجل الماضي و الحاضر – آنذاك – و إنما من أجل المستقبل أيضا ، كما أن القادة الشهداء كان لديهم تصور للاستراتيجية الأمنية الاسرائيلية في ظل عملية السلام”
لم تكن بصمات وجهود ” أبو إياد” ، ” أبو الهول” ، ” عاطف بسيسو” في رفع كفاءة الكادر الأمني بالدورات المتواصلة لتذهب هباء ، بل وجدت السلطة الوطنية الفلسطينية كفاءات استطاعت إدارة و تشغيل جهاز المخابرات العامة و بسرعة مذهلة نظرا للرؤيا المستقبلية لهؤلاء القادة الشهداء و قيادات الظل الأمنية الأخرى التي عملت معهم طوال رحلة النضال منذ التأسيس ”
و كان عاطف بسيسو قد أعد تصورا للأمن الفلسطيني في ظل دولة فلسطينية قبل استشهاده و في حزيران عام 1994 ، تأسس على الأرض ، و على أرض الوطن جهاز المخابرات العامة ، بتحقيق توجه القادة الشهداء عمليا على الأرض ، من قبل قيادات أمنية تختزن للقادة الشهداء ألم الفراق ، و تحققت الخطوة التاريخية ، و اندمج كلا الجهازين بجهاز المخابرات العامة في غزة ، برئاسة اللواء أمين الهندي و نائبه اللواء طاق أبو رجب ، و انضم كافة الكوادر و الضباط للجهاز أمثال ، العميد توفيق الطيراوي نائب رئيس الجهاز لمحافظات الضفة الغربية ، من مؤسسي جهاز الأمن الموحد و العقيد توفيق جبر قائدا للمنطقة الجنوبية في قطاع غزة ، من كوادر جهاز الأمن و المعلومات ، و حافظ ” أبو عاطف ” على مهنته الأساسية في الجهاز ، مع ” عاطف بسيسو ” و الآن مع أمين الهندي”
عدد كبير من الضباط و الكوادر الأمنية وجدوا مكانهم فورا ،لم يشعروا مطلقا بغربة المكان أو القيادة الأمنية للجهاز ، كلهم كان لهم شرف النضال و الأداء في المراحل الصعبة ، لا نستطيع ذكرهم الآن ، ” تميزوا جميعهم بالخبرة و الكفاءة و الأداء المميز على أرض الوطن ، رغم كل الصعوبات ، فكان جهاز النخبة الأمنية
لم يتحول جهاز المخابرات العامة على أرض الوطن إلى مملكة خاصة ” للأمن الموحد و الأمن المركزي ، بل ضم أيضا نخبة من فصائل العمل الوطني في منظمة التحرير الفلسطينية ، فكان النسيج الوطني للجهاز”
يعتبر جهاز المخابرات العامة، أعرق جهاز أمني فلسطيني بجذوره التي تعود لبدايات انطلاقة الثورة الفلسطينية ، مما أكسب الجهاز قدرات خاصة و نظرة جماهيرية ساعدت الجهاز في أداء مهمته ، و اكتسب بسرعة ثقة الشارع الفلسطيني و كافة القوى الوطنية الفلسطينية بإطار منظمة التحرير الفلسطينية ”
في عام 1958م ، طلبت من ” أبو إياد” ملفا من القضايا التي أشرف عليها ” جهاز الأمن الموحد” للنشر ، تحت عنوان الحرب السرية بين أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية و الموساد الاسرائيلي، وافق على الفكرة و رحب بها ، نظرا لأنها تبرز البطولات المجهولة لرجال عملوا في الظلام و قدموا تضحيات كبيرة لم يسمع بها أحد في الشارع الفلسطيني و العربي ، و بقيت الفكرة بدون تنفيذ ، بعد أن وعدني بأحد الملفات و أنه سيكلف ” أبو الوليد العراقي ” بمتابعة الموضوع معي ، لم أر أبو الوليد العراقي ، حتى سمعت أنه اختطف في كانون ثاني 1991من اليونان إلى الولايات المتحدة الأميريكية و ما يزال سجيناً”
التقيت ” أبو إياد” مرة أخرى على هامش أحد الاجتماعات ، شاهدني فتذكر الموضوع فورا و بادرني بكل تواضع بالاعتذار عن عدم حصولي على الملف ، و نصحني بالاتصال بعاطف بسيسو ” شكرته على اهتمامه ، و أحببت فيه ذلك التواضع ” و دعاني إلى زيارة بمكتبة في تونس”
بعد جهد التقيت عاطف بسيسو و عقدت المفاجأة لساني عندما شاهدت أمامي شابا وسيما وجهه بملامح طفولية مبتسما ، و بعد قليل عرفت لما اختار “أبو إياد” ” عاطف بسيسو” للإشراف على نشر أول ملفات يفرج عنها جهاز الأمن الموحد ووضع عاطف بسيسو ” الشروط بعدم نشر أسماء حقيقية و عدم نشر إسمه أو اسم أبو إياد”.
قلت له: و لكن أين الملف الذي تتحدث عنه ؟ قال: لا يوجد هنا في تونس أي ملفات كلها في الخارج بأماكن آمنة ،و يجب أن تنتظر فترة من الزمن حتى نستطيع إحضار الملف المطلوب ”
و بعد فترة وصل الملف و طلب مني أن أقرأه أولا ثم أعود إليه ثانية بعد أن أقدم بالكتابة الأولى ”
فعلت ذلك و قرأ الكتاب ، فحذف أحداث بسبب حساسية نشرها ، و أضاف معلومات إضافية ، و استمرت الجلسات حتى انتهت الكتابة النهائية لقصة ” الجاسوس المدلل” و التي أشرف عليها عاطف بسيسو بنفسه في بيروت ، و استأذنته بنشر القصة تحت عنوان ” من ملفات المخابرات الفلسطينية” فقال : ولكن لا يوجد لدينا مخابرات.
قلت : سيكون لنا ذات يوم جهاز مخابرات على أرض الوطن”
فوافق ، ولم آت بذكر جهاز الأمن الموحد مطلقا في القصص التي نشرت في مجلة ” المجلة ” السعودية و الصادرة بلندن ، و التي تطوعت كمجلة عربية تعتبر الأوسع انتشارا في الوطن العربي ، و خطيت هذه القصص الواقعية بردود فعل طيبة في معظمها و تزامنت مع نشر الزميل الراحل ” صالح مرسي ” لملفات من المخابرات المصرية، في صحيفة ” الشرق الأوسط ” السعودية و الصادرة بلندن عن المؤسسة ذاتها ” الشركة السعودية للأبحاث و التسويق ” ، قبل أن تصدر المجموعة في كتب في عدة دول عربية كانت إذاعة إسرائيل في برنامج يومي بعنوان ” ما قل و دل” و يشرف على البرنامج الاذاعي الصحفي الاسرائيلي ” شاؤول مناشيه” يتحدث أحيانا و بين فترة و أخرى عن هذه القصص و يتناولها بالتعليق واصفا تلك الملفات و كاتبها بالاثارة”
و كانت تلك القصص الواقعية الوحيدة التي نشرت عن أجهزة الأمن الفلسطينية بهذا المستوى كقصة متكاملة ”
و بعد أن تعرضت عملية النشر لهذا النمط من الأدب الأمني للتشكيك في البعض و للأسف ، و هي تجربة تعرض لها صالح مرسي أيضا، كان عاطف بسيسو ينصحني بعدم الرد و بقي مصدر الملفات سرا ، تحدثت عنه الآن بعد استشهاد عاطف بسيسو لمزيد من التعريف بقدراته و نشاطه و انجازاته”
تطوعت للكتابة عن ” رجل الظل” عاطف بسيسو ، و كانت كتابة صعبة ،فلم يكن أبو إياد أو عاطف بسيسو في ظروف العمل الأمني بالخارج يؤمنان بالأوراق و التوثيق و عندما استشهد عاطف بسيسو علق أمد المسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية على ذلك بقوله: لقد مات عاطف بسيسو و ماتت معه أسرار كثيرة
قلت له : و لكن الحقيقة مهما اختفت ستظهر يوما.
لا أدعي أنني نشرت الحقيقة كاملة و لكن الجزء الذي قمت بنشره هو حقيقة فحقائق و أسرار كثيرة لم تنشر بعد ثورة شعب ما تزال تتفاعل ، رغم ما تحقق لغاية الآن ، و أظن بعد إقامة الدولة الفلسطينية سيدون تاريخ الثورة الفلسطينية ، بالبحث الرهني للحفاظ على مرحلة في تراث و تاريخ شعب ، لا يقل أهمية عن الأهمية التاريخية ” للأهرامات و أبو الهول و البتراء و قلاع صلاح الدين”على أرض الوطن.
بعد التوقيع على اتفاق أوسلو في 13 أيلول 1993 ، حمل المهندس الاتفاق يوسي بيلني نائب وزير الخارجية الاسرائيلي ، البشرى لاسرائيل بأنه : ” استطاع تحويل منظمة التحرير الفلسطينية إلى شريط حدودي متعاون” و حاول تسويق هذا الانجاز في حملته الانتخابية على مستوى حزب العمل و لكن دعاية ” يوسي بيلني” حملت مغالطات كثيرة ، بين الهدف الاسرائيلي بتحويل السلطة الوطنية الفلسطينية إلى شريط حدودي متعاون ضمن إطار الاستراتيجية الأمنية الاسرائيلية فلسطينيا و عربيا و بين الحقيقة التي ابتعدت كثيرا عن دعايته و عدم قدرة الضغوط الاسرائيلية على الوصول لهذا الهدف .
الاغتيالات الاسرائيلية لقادة أجهزة الأمن الفلسطينية كانت أيضا لاعتبارات المستقبل لتهيئة الظروف لايجاد أجهزة أمن فلسطينية ضعيفة تستلم للضغوط و الممارسات الاسرائيلية و هذه الاستراتيجية الاسرائيلية لا يمكن تحقيقها في ظل سيطرة صقور الأمن الفلسطيني”
التجربة الوليدة و على مدى ما يزيد عن ثلاثة أعوام أثبتت فشل الاستراتيجية الأمنية الاسرائيلية فقد تميز أداء جهاز المخابرات العامة الفلسطيني بالاحترام الجماهيري و الوطني بمناسبات عديدة و في آيار 1997 وجه جهاز المخابرات العامة الفلسطيني صفعة قوية لأجهزة الأمن الاسرائيلية عندما أعلن للعالم عن كشف خيوط عملية تفجير في مستوطنتي ” كفار داروم و نتساريم” بتدبير في المخابرات الاسرائيلية من خلال القضية المعروفة بالعميل ” إبراهيم الحلبي ” الذي كلفته أجهزة الأمن الاسرائيلية بعملية التفجير…
هذه القضية كانت تحديا كبيرا للاستراتيجية الأمنية الاسرائيلية ، ووضعتها أمام إعادة الحسابات بالتعامل الند لند ، بين دولة إسرائيل و دولة فلسطينية ”
و أثبتت للشارع الفلسطيني أن مبادئ الشهداء القيادة التاريخية لأجهزة الأمن الفلسطينية مستمرة على أرض الوطن”
أسرة المخابرات العامة:
من الصعب الحديث الآن عن التجربة الأمنية على أرض الوطن لجهاز المخابرات العامة ، و لكن نستطيع الإشارة للتجربة الطويلة المختزنة لدى أمين الهندي، و قدراته الأمنية المعروفة و تشدده في المحاسبة داخل الجهاز، حتى أصبحت سياسة معروفة لجهاز المخابرات العامة ، بردع التجاوزات ، بنفس أسلوب ” أبو إياد” الذي “جمد” نشاط أمد الضباط لديه لسنوات لخطأ ارتكبه لم يغفره ” أبو إياد ” رغم أنهما كانا لا يفترقان بعلاقة صداقة و محبة مشهودة .. و هذه المحبة لم تجعل ” أبو إياد ” يغفر ذلك الخطأ .وهذا لم يمنع ” أمين الهندي ” أن يساعد ضابط لديه من جيبه الخاص عندما عجز الجهاز عن المساعدة لظروف عائلية خاصة بالضابط الشاب”
بقيادة الثنائي ” أمين الهندي و طارق أبو رجب ” لم يشعر الضباط و الكادر بغياب أبو إياد و أبو الهول و عاطف بسيسو ، يستمر العطاء برحابة صدر” أبو رجب ” المعروفة و دماثته و ضعف المعروف أمام الحالات الإنسانية يحاول أن ينهض بجميع الكادر و العناصر في كل الظروف الصعبة و العامة ، و بالكفاءة الأمنية و نظرته المستقبلية لجهاز المخابرات العامة .. دائم التفكير بالخطط المستقبلية لتطوير الجهاز ، فتحققت الانجازات سريعا ، و الاستعدادات لنقلة نوعية لجهاز المخابرات العامة في ظل دولة فلسطينية بالنهج الأمني و الوطني للقادة الشهداء لأجهزة الأمن الفلسطينية….
الوصول إلى هدف الاغتيال
لم يكن اغتيال عاطف بسيسو صفحة أخيرة في الملف الأسود للموساد الإسرائيلي خاصة أن اغتياله جاء بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط ، وقبل التوقيع على اتفاق أوسلو ، ثم جاء قرار حكومة إسرائيل بالكشف و لأول مرة منذ تأسيس ” الموساد” عن رئيس جهاز الموساد و منحه حق الظهور العلني و من خلال وسائل الإعلام ، و دون أن يرافق هذا القرار ، إلزام الموساد بوقف مسلسل الاغتيالات و التي تنفذ بموافقة رئيس الحكومة ، و بقيت إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي يسمح القانون لديها بالقيام باغتيالات ، و لا تجد أي حرج بالاعتراف بمسئوليتها عن تلك العمليات و تعتبرها مشروعة ..
دول أخرى قليلة في العالم تنفذ الاغتيالات دون أن تجد غطاء قانونيا لتلك العمليات و بالتالي فرصة الردع قائمة من خلال القانون أو الرأي العام المحلي أو الدولي و المعارضة أيضا..
و بعد أن قامت حكومة إسرائيل بالتوقيع على اتفاق أوسلو ثم اتفاق السلام مع الأردن ، ضاعفت الحكومة الإسرائيلية موازنة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ، و طبقاً لميزانية عام 1995 فقد بلغت ميزانية الموساد المتخصص بالعمل الخارجي الموجه للدول العربية و دول أخرى في العالم و ميزانية ” الشاباك” المتخصص بمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية ، ما يفوق الميزانية المخصصة للقوات البرية الإسرائيلية ، وهذا يعني أن الحرب أخذت وسائل و أشكال جديدة ، اتجهت نحو تصعيد الحرب السرية بدلا من الدبابة و ناقلة الجنود و المواقع الثقيلة ..
هذا الارتفاع الضخم في ميزانية جهازي الموساد و الشاباك ، رافقة تكثيف واضح في النشاط الاستخباري التجسسي إضافة لعمليات اغتيالات نفذها كلا الجهازين .
ومنذ انعقاد مؤتمر مدريد للسلام سجلت للموساد عدة عمليات اغتيالات مثل اغتيال عاطف بسيسو في 8 حزيران 1992 ، و اغتيال د. فتحي الشقاقي في 26 تشرين أول 1995،و محاولة اغتيال خالد مشعل في 25 أيلول 1997 .
أما جهاز الشاباك ، فقد نفذ عدة عمليات اغتيال في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية ، في عهد الرئيس السابق للجهاز “كارمي غيلون” ، مثل اغتيال هاني عابد أحد كوادر حركة الجهاد الإسلامي في 3 تشرين الثاني 1994، و قد تمت العملية بتفجير سيارته داخل كلية العلوم و التكنولوجيا في خانيونس بقطاع غزة بعد تولي السلطة الوطنية الفلسطينية لمهامها ، و اغتيال محمود الخواجا أحد كوادر حركة الجهاد الإسلامي في 22 حزيران 1995 و تمت العملية في مخيم الشاطئ بغزة ، و اغتيال كمال كحيل أحد كوادر كتائب عز الدين القسام في 2 نيسان 1995 بغزة، و اغتيال يحيي عياش الملقب بـ” المهندس” في 5 كانون الثاني 1996 في مشروع بيت لاهيا بالقرب من مخيم جباليا بغزة ، و قد تمت عملية الاغتيال عن طريق وضع عبوة ناسفة داخل جهاز تليفون متنقل … كانت هذه العمليات على المستوى الفلسطيني ، و التي نفذت جميعها بتعاون بين أجهزة الأمن الإسرائيلية ، إضافة للعمليات الأخرى في لبنان.
ملف الاغتيال:
عندما تبدأ المعلومات بالتدفق حول شخصية معينة مرتبطة بنشاطات معادية لإسرائيل ، يفتح لهذه الشخصية ملف ، و هذا الملف الأساسي يفتح في أحد أجهزة الأمن الإسرائيلية و يوزع على الأجهزة ذات العلاقة ـ الشاباك ـ و الموساد ـ شعبة الاستخبارات العسكرية ، و كل جهاز يقوم برسم خطته ، العلاج و المتابعة الخاصة به بناء على حدود صلاحياته و مسؤولياته.
الأجهزة الثلاثة تقدم بجمع المعلومات التي ترسل إلى ” بنك معلومات ” مشترك يحلل و يقاطع المعلومات بناء على درجة الاهتمام الموجودة لدى كل طرف من الأطراف .
الجهة المسؤولة عن ” بنك المعلومات” هي قسم جمع المعلومات في شعبة الاستخبارات العسكرية و هي التي تقوم بتوجيه الأجهزة لجمع المعلومات المحددة حول الشخص المذكور وفقا للحاجة.
و في اللحظة التي تتراكم فيها المعلومات و تتوصل أجهزة الأمن إلى الإستنتاج بأن الأمر يستحق القضاء على ذلك الشخص ، تبدأ عملية التفكير في طرق القضاء عليه ، أما قرار تحول الملف إلى هدف لعملية ينجم عن كمية و نوعية المعلومات المتوفرة حوله، فهنالك حالات تمر سنوات إلى أن تتراكم معلومات تكفي للتحول إلى خطة ، و هناك حالات تكون المصادر بها جيدة بشكل كاف من أجل تحويل الهدف إلى خطة خلال أشهر قليلة فقط.
و عندما يتم إعداد الخطة يتم تدارس وسائل و طرق معينة إلى أن يتم اختيار طريقة واحدة ، فهنالك جزء هام من الاعداد للعملية هو تمييز الخلل المحتمل إلى جانب إعداد خطط بديلة و طرق فرار مختلفة ، و كل ذلك يتم وفقا للأوضاع التي قد تتطور على الأرض.
و حين يتلقى رئيس شعبة الاستخبارات من رئيس الموساد معلومات عن عملية محددة ، فإنه يسأل رئيس قسم الأبحاث في وكالته ، و هذا القسم يضم ما يزيد عن مائة و خمسون موظف ، عن الأبعاد الممكنة التي تنطوي عليها هذه العملية على مختلف المستويات السياسية ، الحزبية ، و غير ذلك .و أحيانا يقوم رئيس شعبة الاستخبارات بإطلاع رئيس هيئة الأركان على ما إذا كانت للعملية أبعاد على علاقات إسرائيل مع الدول العربية أو أوروبا و على ما يجري في المنطقة ، و رئيس هيئة الأركان من جانبه ينقل ملاحظاته و تحفظاته لوزير الدفاع الذي ينقلها إلى رئيس الحكومة .
كانت قرارات الاغتيالات في عهد اسحاق شامير ، تجتاز عدة إجراءات ، حيث كان يستمع إلى رأي وزير الدفاع و رأي أعضاء لجنة الوكالات الاستخبارية ، و آراء رجال مختصين داخل الوكالات ، و بعض العمليات كان يطرحها شامير في المجلس الوزاري المصغر الذي كان يدلي برأيه أيضا.
بعد أن تتحول الخطة إلى عملية ، يتم عرضها على رؤساء الأجهزة الأمنية من أجل الموافقة عليها ، و عندما تكون العملية من اختصاص الموساد فقط ، فإنه غير ملزم بالادلاء بتفاصيل العملية أو وصف آلية العمل ، و لكنه ملزم بتحديد الوقت الذي ستقع به العملية و مكان تنفيذها ، و ذلك من أجل عدم التضارب في مصالح ونشاط اجهزة الاستخبارات الأخرى التى تعمل فى الوقت نفسه فى المنطقه
علاقات الأجهزة
قالت اسرائيل بعماليات اغتيالات عديدة خارج حدودها بمشاركة جهازين أو ثلاثة أجهزة أحيانا، ففي عملية فردان كانت مشتركة بين الموساد و الشاباك، و اغتيال أبو جهاد كان عملية مزدوجة بين الموساد و الجيش ، كما أن اغتيال يحيي عياش في غزة نفذها الشاباك بالتعاون مع أجهزة إسرائيلية أخرى.
في معظم الحالات فإن التعاون يلزم إجراء لقاءات و نقاشات عديدة مشتركة بين قادة الوكالات ومستويات مختلفة داخل هذه الوكالات.
في جلسة لجنة رؤساء الوكالات ” الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ” تطرح المعلومات المشتركة الحيوية ، وقسم جمع المعلومات في شعبة الاستخبارات العسكرية هو القسم المسؤول عن التنسيق و تحديد المعلومات الحيوية التي بموجبها تعمل كل الأقسام في الوكالات الاستخبارية.
حاليا تعيش لجنة رؤساء الوكالات حالة من التشرذم ، فلا يتم تبادل الأوراق و التقارير ، و تسيطر على اللجنة حالة الشك المتبادل ، و تقارير جزئية ، ودخلت الأجهزة في حالة صراع خفي.
عملية الاغتيال :
عملية الاغتيال تعتبر مسألة معقدة ميدانيا ، يشارك بها عادة عشرات الأشخاص ، و بسبب التكتم و السرية لا يتم إشراك الأغلبية في أسرار العملية ، وعدد قليل منهم يعرف الخطة النهائية للعملية.
الخلية التي ترسلها الموساد لتنفيذ عملية ما تواجه قضايا عديدة منها الحذر المزيف، المكامن ، السيارات ، تذاكر الطيران ، الإقلاع ، إدخال السلاح بأنواعه إلى مكان العملية ، الحركة على الأرض وتحت أعين السلطات المحلية ، الاستخبارات الموقعية ، الاغتيال نفسه، طرق الفرار.
في عملية اغتيال د.فتحي الشقاقي ، رئيس حركة الجهاد الإسلامي في تشرين أول عام 1995 ، شارك أكثر من 40 عميلا للموساد في تلك العملية ، منهم قناصة و جامعي معلومات ، خبراء حراسة ، رجال إدارة ، خبير اتصالات ، فريق اغتيال. قسم من هؤلاء أرسل إلى مالطا و صقلية و إلى حدود تونس و ليبيا بدوريات بحرية بين الدول راقبوا حركة الشقاقي بمساعدة أجهزة إرسال متطورة.
و تقوم الموساد بتقسيم هذا العدد إلى مجموعات:
القتلة: حيث يصلون إلى الميدان من أجل تنفيذ الاغتيال فقط و يختفون فور التنفيذ.
الحراس و سائقي الفرار، و يكون هؤلاء مسلحين في ساحة الاغتيال و مستعدون في حال حدوث خلل لإنقاذ أعضاء طاقم الاغتيال.
اللوجسيقون: في العادة يكون هؤلاء رجلا و امرأة بتغطية أجنبية تامة ، مهمتها استخدام بيوت و غرف في الفنادق.
المتابعة و التشخيص و الحراسة: يقوم بذلك ستة رجال و نساء متخصصين بالمتابعة السرية بما في ذلك تصوير الأهداف سرا من أجل التأكد من هويتهم.
المسؤولين عن الاتصال بالسفارة الاسرائيلية و هيئة الموساد في تل أبيب.
الموساد يمتلك عدة خلايا من هذا النوع حيث تكون كل خلية مكونة من ” 10-15″ عميلا و في كل خلية أيضا مقاتلين اثنين على الأقل.
الآلية المثالية المتبعة لا تعكس دائما مثالية في التنفيذ ، أو سيطرة أمنية مطلقة ، بالمقابل هناك أجهزة تعمل بشكل مضاد لنشاط الموساد، و كما لاحظنا فإن خطة اغتيال عاطف بسيسو كانت مكشوفة لدى أجهزة الأمن الفلسطينية قبل تنفيذها بخمسة و عشرون يوما و هذا بحد ذاته انجاز كبير عند مقارنة الإمكانات الضخمة التي يتمتع بها الموساد ، و إمكانات أجهزة الأمن الفلسطينية ، حيث لا وجه للمقارنة.
و على المستوى العربي تبقى ملاحظة أساسية ، أن معظم العملاء الذين تم اكتشافهم و المجندين لصالح الموساد، يلاحظ أن فترة نشاطهم لصالح الموساد لا تتجاوز فترة ما بين عام إلى ثلاثة أعوام على أقصى تقدير حتى يتم اكتشافهم ، و هذا دليل يقظة و جهد عربي و فلسطيني مضاد للنشاط الاستخباري الاسرائيلي .
و الملاحظة الأخرى هي أن فشل الموساد أحيانا هنا وهناك لا يعني مطلقا توقف هذا النشاط الذي أصبح محل سخط دولي ، بل أن توفير حكومة إسرائيل الميزانيات الكبيرة للموساد و الشاباك يؤكد على أن الحرب القادمة هي حرب استخبارية تقوم بها أجهزة الأمن الإسرائيلية على المستوى الفلسطيني و العربي و الإسلامي ، ليس بدافع الخوف و إنما نابع ذلك من طبيعة الكيان الإسرائيلي القائم على إيجاد ” عدد دائم و حرب دائمة ” بل و يعتقد زعماء إسرائيل أن عدم وجود ذلك العدد و تلك الحرب يعني نهاية دولة إسرائيل المرشحة لحرب أهلية بسبب خليط غير متجانس توحد أمام خطر خارجي..
***